تطرقت في المقال السابق إلى توضيح الفرق بين التأويل والتحريف، لدرجة ما يدخله البعض على صفات الله، ومثلت لإزاحة اللثام عن حقيقة التحريف المختفي وراء مصطلح التأويل، لينال قسطا من التصديق الشرعي والعلمي.
ولإتمام النفع نذكر ملابسات لم يتسع لها وقتئذ، دونت أهم ضوابطه، وواقعه، وآفاقه المرجوة، ليكون تأويلا معتمدا.
لابد أن يتوفر للتأويل الصحيح بعض الأساسيات، منها:
1/ معرفة اللغة العربية، لأن النصوص الشرعية صيغت ببلاغتها ونحوها وصرفها وآدابها، دون التذرع بها للتحريف.
(قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتاويل الاحلام بعالمين)، فالتعبير القرآني باللغة العربية دليل على أن الأحلام هي ما يبتغى به المستقبل، فطابق الجواب اللفظة، بجهل تأويلها أي بمآلها وليس حاضرها.
2/ توافر أدلة تعضد صحته، منها:
١/ الوحي: فهو الأصدق والمعصوم، ولا يحتاج إلى شروط أخرى، كتأويل يوسف عليه السلام رؤيا الملك (يا أيها الملأ افتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون)، فمعبر الرؤيا يبينها بما يؤول إليه أمرها.
أما يوسف عليه السلام فأول الرؤيا وحيا بالقحط سبع سنين.
٢/ الأمارات القريبة المتصلة: وهذه تحتاج إلى إعمال عقل، وشيء من الإلهام الرباني، فتأويل يوسف عليه السلام الرؤيا بالقحط استلهمه من (وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات)، وهو المتعلق بالزرع والغيث.
٣/ الأمارات الواضحة المنفصلة: كتأويل ابن عباس رضي الله عنهما سورة النصر بدنو أجل النبي ﷺ معبرا عن انتهاء مهمة الرسالة والنبوة في الدنيا، تطابقا مع علمه أن النبي ﷺ ما أنهى عملا ولا قولا إلا قال: (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك).
عن جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال: (من قال سبحان الله وبحمده، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، فقالها في مجلس ذكر كان كالطابع يطبع عليه، ومن قالها في مجلس لغو كان كفارة له)، رواه أبونعيم والنسائي، والطبراني، وهو على شرط مسلم.
٤/ معرفة المقصد:
فحديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال، دَخَلَ رَجُلٌ المَسْجِدَ، وَرَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يَخْطُبُ يَومَ الجُمُعَةِ، فَقالَ: أَصَلَّيْتَ؟ قالَ: لَا، قالَ: قُمْ فَصَلِّ الرَّكْعَتَيْنِ، رواه مسلم.
لا يمكن تأويله بقصد إظهار الرجل كفقير ليتصدق عليه، لغياب المعرفة بقصده ﷺ.
3/ ارتباط الحاضر حسنا أوسوء بالماضي والمستقبل، كالاعتبار بالأمم السابقة، والسنن الربانية في الكون، فالإحسان كالمحسنين، أوالإساءة كالمسيئين، يؤولان إلى المصير نفسه نجاة أوهلاكا، ومنه فكل عاقل مطلع يدرك بالتأويل مصير الأمم والشعوب عندما يربط حاضرها بمن مضى مماثلةً، وهو قياس آيل.
وبناء عليه فإن التعامل العقدي مع صفات الله تعالى، عند من يصرفونها عن ظاهرها التماسا لحراسة ذاته سبحانه من التجسيم، وبعيدا عن الموافقة أوالمخالفة، نعتبره تغييرا وتحريفا لا تأويلا، لأنها لا ترتبط بأحد هذه الضوابط، ولا دلالة فيها على إشارات مستقبلية، وكل ما فيها يقين بأن الله كان ولا يزال وسيكون كما ذكر في كتابه الكريم.
أما واقع التأويل الآن وآفاقه، فمرتبط بحركة العقل الراشد، إذ هو كالمؤشر الحراري تصاعدا وتنازلا، بحركتي:
1/ التفكر: بالنظر في أعماق النصوص، والخلق، والتمكن بها من شرح وتفسير الآيات، والظواهر الكونية الربانية.
2/ التدبر: وهو النظر في الأدبار، أي النهايات، والمآلات، وقليل من يميز بين التفكر والتدبر، في الآيات المقروءة، والمنظورة، والسنن الربانية الكونية، وعلاقتها بالماضي والحاضر، ودلالتها على المستقبل في حياة الأمم، وصناعة أمجادها، أوتدميرها، كقواعد ثابتة لا تقبل التبديل، (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا)/الأحزاب/62، بحيث تدفع الحركات الإنسانية الموازية الموافقة لها، أوتعطل المعاكسة لها.
كلما سار التفكر والتدبر بالوتيرة المطلوبة قرآنيا، أمكن للعقل الإفادة منهما، والتطور بهما نفعا لا فسادا، وتوفرت تأويلات كثيرة محكمة تعين على الاستشراف الحضاري، بالاكتشاف المادي، واستخراج الرصيد الروحي، كشرطين أساسين للنهوض.
Tags:
شرعيات
