وبالعودة إلى معناه اللغوي، وتعريفه الاصطلاحي، وأمثلته، التمست إحياء كامنات المصنفات مراعاة لسبق سلفنا المتعاملين مع موضوعه.
فالتأويل لغة من آل، أي آب، وصار.
واصطلاحا سأكتفي بقول ابن تيمية رحمه الله (النظر في مقصود النص مستقبلا)، مطابقة للمعنى اللغوي.
1/ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان عمر رضي الله عنه يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر إنه من حيث علمتم، فدعاني ذات يوم فأدخلني معهم، فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال ما تقولون في قوله تعالى (إذا جاء نصر الله والفتح)؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لي أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه إياه، قال (إذا جاء نصر الله والفتح) وذلك علامة أجلك، (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا)، فقال عمر رضي الله عنه ما أعلم منها إلا ما تقول، رواه البخاري.
فابن عباس استشرف مقصد السورة مستقبلا، ومآلها بأماراتها، رغم ما ذكر بعض الجلساء.
2/ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر، فقال إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده، فبكى أبوبكر وقال فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا له. رواه البخاري.
فأبوبكر كان أعلم الحاضرين بإشارة النبي ﷺ، المستقبلية إلى قرب أجله، ولم يقف عند الموعظة، وهو تأويل.
3/ ومنه الرؤى، بالتأويل لا بالتفسير، فيطلب مآلها القادم.
ذكر الله على لسان يعقوب عليه السلام (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تاويل الاحاديث)، لذلك عَلِمَ يعقوب أن لها تأويلا، فأرجأه، ولم يذكر تفسيرا لها، لأنها غير متعلقة به.
وبعد لقاء الأسرة كلها، قال الله على لسان يوسف عليه السلام (وقال يا أبت هذا تاويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا).
فقد آل سجود الشمس والقمر إلى والديه، والكواكب إلى إخوته.
4/ خرق الخضر عليه السلام السفينة، وقتل الغلام، وبناء الجدار، كان لتأويل، أي نظرا إلى عاقبة أفعاله مستقبلا، وقد سماها تأويلا عند ذكرها لموسى (سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا)/78/الكهف.
(ذلك تاويل ما لم تسطع عليه صبرا)/82/الكهف.
خلاصة تحويل البعض ظواهر الصفات تجنبا للتجسيم، هو تغيير لا تأويل.
لقد ذهبت كثرة من التعريفات إلى استواء التأويل والتفسير في معنى واصطلاح واحد، وهو ما أراه خطأ، أومجازا أوقع في الخطأ، أوربما لندرة استعماله، أوقلة وجوده، أولغلبة التفسير والنصوص المفسرة على المؤولة، فاندرج تحته حتى اختفى معناه.
وبهذا المفهوم الصحيح الدقيق للتأويل، يمكن لنا القول، إن تكييف الصفات تغيير لمعانيها، لا تأويل، لأنها حقيقة لا أمارة لها مستقبلا، أوكما قال ابن تيمية وابن عبدالبر وغيرهما، هي تحريفات.
فادعاء دلالة اليد مثلا على القوة، والوجه على النور ونفي حقيقتيهما المذكورتين في الكتاب، واختيار المجاز لهما والله أعلم بنفسه، تَمَحُّلٌ متطاول، يسلك سبيل التحريف.
أما ادعاء تأويل الكيف، وتفويض العلم، فهو أمر مضطرب متعاكس، فكيف يتم تكييف ما يفوض العلم به؟
وإذا اضطرب التأويل، فهو تغيير وتحريف، رغم التذرع بتنزيه وحراسة الذات العلية من التجسيم، تعالى الله علوا كبيرا.
لأن ادعاء التأويل يعني تعليق الصفة بمضمر أومحذوف مقدر، وكل يقدره باحتماله، فيضطرب أساس الإيمان والاعتقاد.
والإشكال في أن التغيير تَقَوُّلٌ على مراد الله.
أما الإيمان بالصفات كما ذكرها القرآن دون تعطيل ولا تأويل ولا تشبيه ولا تكييف، فهو الصحيح، لأن النزاع الحقيقي في التغيير، المتوارى تحت مظلة التأويل، وهو خطأ.
والله ورسوله أعلم وأحكم.
يتبع إن شاء الله.
Tags:
شرعيات
