اصغِ لحكاية طفولة ببراءة تجهل بتر الأخبار، ومراعاة الخلان، ومشاعر الإخوان، وتَحَفُّظَ اليقظان، تُفرغ حُمولة الآنيات قبل الذكريات، متحدية الانتقامات، فَصِدْقُ الصبايا سجايا.
تسرد طفولة غزة:
في بطحائنا نسرح ونمرح، تطلّ الطائرات، يفجعُ قلوبَنا الهادئةَ فجورُ الراجمات، تُغِيرُها الفضاءات، فيصطف الأرتال، ليصمَّ رصاصُهم آذاننا، نطير من أهمس الطلقات، كالعصافير فوق الأغصان والأسلاك، ذعرا إلى مجهول الحيطان والأفنان، جاهلين الدواعي والأسباب والأغراض.
تَبًّا لإنسانية عودت طفولتنا مخالطة جثث الشوارع، ومقبوري الأهدام، ومُفَحَّمِي الحرائق.
لم نطلع على التاريخ، ولا الواقع، ولا من المستقبل إلا أمل العيش غير المنكد للفرح والركض في المروج.
نهلع لاستئناف الغارات، رعب الموت يبكينا، لكن حبة حلوى تَكُبُّ علينا السرور.
حكايات الكبار سلاح، وحكاياتنا عبرات تغسلها دموع، تمسحها أكف تشحب الخدود.
نسجل كالقرص المنسوخ، نجهل كفاية التعبئة أوعوزها إلا يوم الرواية في الكبر، حين ندرك قَضْمَ الحرب فترة الزهو من حياتنا.
حبنا لا غرام فيه، ولا طمع، نذهل عن الحب في الله، لكننا نحب بفطرته التي فطر الناس عليها، الناجي منا ينادي، (وين ماما؟)، (وين بابا؟)، إن بقي لنا شقيق احتضناه، حملناه إلى مستقر صامت، لا نتحسس أرجلنا، أحافية أم منتعلة؟
إننا نَسْلُ الجبابرة، ولدت معنا همتنا، سيخجل كبراؤ المسلمين وشبابهم عندما يسمعون عن استيقاظنا الباكر لصلاة الصبح تسترنا خيام رثة، لا تَصُدُّ قَرًّا داخلها، ولا تصرف مطرا حواليها، ولا ترفع حَرًّا من فوقها، ولا تذيب صقيع صباحها، إلا غَضَّ عِرضها.
قساوة تؤرق علينا النوم على فراش الغبراء، تحت غطاء السماء، تستقوي تحدياتنا بقرآن الفجر، (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا)، ببركة وقته، نعوض تعطيل الدراسة، وإسدال الحرب بيننا وبين مؤسساتنا، بختم القرآن حفظا، قراءة، تجويدا، نحفظ المصنفات، كالأربعين النووية بالسند المتصل إلى رسول الله ﷺ، عسى أن يبارك الله في غزتنا ومجاهديها، في همة تخور عن شباب البلدان الآمنة.
يغدو بنا يومنا بعد بزوغ شمس النهار طلبا للماء، يقول أحدنا (بعدين نبلش عَالْمَيَّة)، وللغذاء تزاحمنا جلجلة الأواني، لنحاكي انتفاخا صولات الرجال، جنود العدو تلاحقنا نَهْرًا وقَهْرًا، وسرقةً لحاويات غذائنا، تسكب أواعينا، لأننا أطفال عزل، لا نبتغي إلا عيش العشبة الفسيلة تمايلها الرياح وهي تنشد.
نروح بغنائم اليوم خِماصا، تستقبلنا خيام غارقة، (أنا تعبان يامَّا، وين بدي أنام؟)، (اصبر يامَّا لمَّا نزيح المَيَّة)، تحترق الأرملة.
إنه عدو يثخن القتل فينا بعقيدة، حسما لنشأتنا، طمسا لأَخْلافنا في أمهاتنا، يكسر سواعدنا أن تشتد وتحمل سلاح العز، أويَخرُج من أصلابنا من تَقِرُّ به أعيننا، انتقم منا باكرا عوض انتقامه من فرعون (فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم).
يستشهد أطفالنا، فتكتم عيونُهم المُفَتَّحة أسرارا ينفدُ حِبر الدم منها، فَيُعَزَّى الآباءُ، وعندنا يُعَزَّى الأترابُ والأقرانُ.
اسألوا اكتظاظ المستشفيات، ومَثَاوي القبور، وشاحنات تهريب الأعضاء.
فَهَلاَّ قابلوا المقاومين الأبطال، المجاهدين الأشاوس، ليزنوا قوتهم، ويرحلوا عنا؟، وإلا فليقابلونا بالحجارة، فنحن أطفال الحضارة.
أينصرون هزمَهم علينا؟ كالاِسْتِحرار على السّرج خوفا من الفَرَس؟
أيها المسلمون! نحن أفراطكم في الجنة، أنقذوا عواتقكم من أرواحنا، عساكم تنالون شفاعتنا.
أيها العرب! نحن دسائس عرقكم، فاحموا بنا نخوتكم.
أيها الناس! نحن بذوركم، فصونوها لتشتد جذوركم.
احملونا نلصق بالكعبة رسالة تضرع إلى الله، ضعونا على أرائك مجلس الأمن لعل الله يفتح بدموعنا قلوبا غُلفا.
هذا خبرنا ينطق عليكم بالحق، فاختاروا تَلَقِّيه بأيمانكم، أوشمائلكم، أوظهوركم.
Tags:
مجتمع
