عجزت الإعلاميات عن حكاية يوميات دماء مسفوحة على القيعان، والأتربة، والطرقات، والزقاق، والوهاد، والمطارح المفروشة، والمشافي المعالجة، والظهور الحاملة، والصدور الحانية، والسيارات المسعفة.
سأل فيح الصيف، وزمهرير الشتاء، وانصباب الأمطار، الدماءَ عن فيضانها، فقالت:
نتدفق في هدير غزة، ونُصرف إلى بحر الأحرار، على ضفافنا أقلام تتعبأ منا حبرا يحكي أوجاع الحاضر وآلام المجهول، عن دموع الأمهات المكلومات (أنا راضية عنك يامّا)، والآباء المجروحين (أنا راضٍ عنك يابَا)، وأنفاس المتأوهين (معليشششش)، وتيهان السقطى (وين بدنا نروح؟)، ووحشة الثكالى، ونشيج اليتامى، وخيام تبكي نساؤها، ويحتارُ كهولُها، ويلهو بالوهم أطفالُها، ويجوع صبيانها، والنزوح الغادر بنا شمالا، جنوبا، كلما امتلأ بنا شارع، سقى منا الرصاص آخر، تصبَّبْنا عرقا يُذرَف يمنة ويسرة، نُغِّصَت سعادتنا في أحويتنا، والكتاب ينسخ مضرجًا بالأحمر، كلما جفَّ قلم انهمرنا له من الجماجم المفجرة، والبطون المعقورة، والصدور المطعونة، والأطراف المقطوعة.
ترتوي بنا الفسيلات والشجيرات.
يتطهر بنا ساحل غزة وشوارعها، وجدرانها، وحيطانها (بساتينها)، وأتربتها، وأَسِرَّة مشافيها، وقفازات، ومآزر، ومناديل، وحقن، وضمادات أطبائها.
نحكي طائرات، وصواريخ، وقنابل، ودبابات، ورشاشات، أرهقها الإجرام، كلفها الإزهاق، لو نطقت شكت ثقل الحمل، تزأر مأمورة، لا مرونة لها لتقلب الأزندة.
دماء الجند لا تحكي، لأنها محاربة، فَحَلَّ إهدارها، ونحن نحكي المجد والفحولة، زخاتنا عطر الشهادة، فلوننا أحمر، وريحنا مسك.
دماء المعتدين تتبخر، فبطن غزة يمُجّها، ونحن للشهادة نتطهر ونصان ونحنط، فإذا أدخلنا الجنة، ليلعَقَنا ماؤها، ولبنها، وعسلها، وخمرها، تزاحمت علينا نعمها تشم شذانا القادم من دنيا الجهاد.
لا أحد يُلجم كلماتنا وعبراتنا، فكل مولود ناطق، ونحن مولودون من زفرات الأطفال، والنساء، والشيوخ، والعجايز، والرجال القاعدين، والمسعِفين، والطاقات المؤطرة.
نحكي مساقط سيلاننا، لأن المتفجرات أنطقتنا.
المولود يصرخ باستنشاق الهواء، ويحكي ضَمَّةَ حضن الأم وساعد الأب، ونحن نحكي وداع أكناننا، وقنوات دوراتنا.
نحكي أين وكيف كنا، وأين وكيف أضحينا.
نحكي قسوة مواقعنا خارج دفء عروقنا.
الشظايا تتطاير لِتَعْلَقَ بكل قريب، لكننا نتطاير براكين تتشبث بالسماء المرحبة، والأرواح الزكية، والملائكة الحاضنة.
نشكو حرَّ الصيف المُمَدِّد، وقَرَّ البرد المجمِّد.
لم نعلم حاجة الجسد إلينا، إلا ونحن نراه يتشحَّط في بِركنا، راغبا عودتنا، أوبلعنا، لكن الصاروخ مزّق البدن فضعف عن إمساكنا.
نسأل عمن نغَّص سعادتنا الجالبة للجسد الهواء، الطاردة عنه السموم، عمن يتفرج، مزهوا بلوننا القاني، ونحن نُسْكَبُ فوق الأحجار، على الجدران، على رمال لا تنبت نخلا، ولا تزرع آدميا.
الدماء المتبرعة تحكي سرور إسعاف المرضى، ونحن نحكي حزن العجز عن إنقاذ أرواح لُفِظْنَا منها.
الدموع تحرق الوجنات، وتشق الخدود، ونحن نحكي حرق الأحلاق وشقّ الجلود كخروج السَّفود، لنحال دموعا حمراء تبكي خذلانا هَلُوعًا، يُحدِّق من عيونه شرر جزع الجبان.
ما ذنبنا؟، أوقفوا الحرب، لنستنشق الهواء في عروقنا، فهواؤكم يَأْسَنُنا، يجمّدنا، يُرْدِينا أكْبادا لكلاب خَميصة.
لنحيى داخل مسارينا، وإن ماتت أخذتنا معها، إنها أمهاتنا وآباؤنا فلا تفصلونا.
نتضرع إليكم يا حكومات! أتتلذذون بِغَلْيِنا حماية لكراسيكم؟ أم لإذلالنا؟ أم قست قلوبكم بعادة إزهاقنا؟ فَانْجَزَرَت في أعينكم أنهارنا؟.
نسترحمكم يا عرب! أين حمَّالات ثأركم؟ أين كبرياؤكم؟ أين الدم بالدم، والبادئ أظلم؟.
نناشدكم يا مسلمون! أين العزة لله ولرسوله ولنا، عندكم؟.
نستعطفكِ يا إنسانية! متى نتساوى عندك؟.
ننتحب لديكم يا مفاوضون، متى تسدُّون فجوات النزيف؟ لنبقى في صمامات القلوب وأوردتها، وأوداج الرقاب، ومسالك الرئين؟، آآآه، آآآخخخ،،، سقطت اليد، وخار القلم.
Tags:
مجتمع
