النصوص الشرعية والدلالة العقلية


لا يماري أحد من المسلمين وغيرهم في قيمة العقل، واعتناء النصوص الشرعية به، وبفهمه، وباجتهاده، وتمحيص صحة الأحاديث به.
لكن الناس انقسموا في العقل إلى:
1/عقلانيين رافضين للوحي، يلوون نصوصه بالعقل للخروج بها عن مدلولاتها الواضحة الظاهرة المنضبطة غير المحتاجة إلى تأويل عقلي، إما:
لعداوة مبطنة.
أوانهزاما أمام غير المسلمين من الفرس والروم والغرب الآن.
أوذهولا أمام الفرق المنحرفة السابقة، فاسْتُنْفِرُوا ثم قَعَّدُوا نظرياتهم العقدية بالعقل لإبطال انحرافاتهم، ومن هؤلاء المعتزلة وغيرهم.
2/لا عقليين رافضين تدخل العقل في التعامل مع النصوص، إما:
جهلا بدوره في الحياة وتطويرها وتحديثها.
أومعترفين به مبالغين في الحذر منه، مغتصبين مركز الوصاية على الوحي، متجاهلين عصمة الله له، أومبالغين في مسائل العقيدة خشية تسرب الاعتقادات خارج المراد المتصور، أومعطلين مواكبة وتطور أساليب تطبيقات الأحكام، واستنباط مرونة الشريعة الصالحة لكل الأحوال، خاصة خارج النصوص بدلالاتها، ولو باتخاذها قواعد عامة للقياس.
معتبرين خوض العقل في النصوص فهما واستنباطا وحكما جريمة عقدية دينية روحية تصريحا أوتلميحا.
إذا دققنا تعامل الصنف الثاني مع منع تدخل العقل، لوجدناهم لا يستنكفون عن التأويل به تفكرًا وتدبرًا، وتفننًا في بيان مخاطره المزعومة على الوحي، مع فقدهم النصوص الشرعية الدالة على استبعاده عن هذا الميدان.
فأغلق كثير من الغيورين على الشريعة ومصادرها النصية المقدسة بالجهل المتعاطف كل باب أمام مناقشة شروط صحة الأحاديث على مستوى المتن، رغم المسارعة إلى ذكرها عند السؤال والاستفسار.
بعضهم إذا انبرى للدفاع عن صحة بعض الأحاديث استعمله وبَرَّرَ وحَلَّلَ وفسر به لرد أقل حالات الأحكام كالتضعيف.
وبعضهم يستعمله في التوفيق بين حرفياتها القديمة الصحيحة وتطبيقاتها المعاصرة، كنصاب ربع دينار ذهبي لقطع اليد، وتقديره المعاصر.
لا نريد لأحاديث حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم أن تكون لعبة أهواء مترامية بين أيدي العابثين، ولا المغرضين، ولا مشاريع إهانة قداسة مصنفاتها وحافظاتها، كما يراد لها في مشاريع محمد بن سلمان وغيره وقد بذل أصحابها الوسع الكبير في جمعها.
لكن لا نريد عضل العقول المستعملة بسلامة وتمام عن مناقشة الحديث دراية ورواية بما فيه المتن.
ورافض ذلك مجحفُ في شرطيْ الشذوذ والعلة المتعلقين بالمتن، ومستحدثٌ شروطًا أخرى تهمِّش العقل، ومعتدٍ على قداسة الحديث النبوي من حيث نريد صيانتها، وهذا محال.
كما لا نريد خوضا في هذا الميدان دون أسلحة هي أقرب إلى العقل، ومنها التضلع في اللغة العربية نحوا وصرفا وبلاغة وشعرا، والعلم بمعترضات القرآن لكثير من النصوص بأكملها أومفرداتها أوعباراتها، والعلم بمقاصد الشريعة، لأنها تضبط موافقة النصوص مع فطرة الله للعقل، وأصول الفقه، وغيرها من الضوابط المنهجية لعمله وبداهته، تجنبًا لسبيل وغاية الهوى والتشهي، وإفحامًا للعقليين، وطمأنةً لِلاَّ عقليين.
لأن كثيرا من الأحاديث تتردد بين الألسن، مع علل في متونها، يتحرج أهل العلم من مناقشتها، لعقدة التهمة في الدين، ومخافة الرمي بالكيد للنصوص، وهي تنتظر هِمَّةً شجاعةً للنظر في صحتها، كحديث هم النبي صلى الله عليه وسلم إحراق بيوت تاركي صلاة الجماعة على أهلها بشيوخها ونسائها وأطفالها، وهو نبي الرحمة، وكحديث تعرضه صلى الله عليه وسلم للسحر لمدة طويلة، ورهن صحة الوحي خلالها لوهم الشك المعصوم منه، وكحديث تسميل أعين العرنيين وإلقائهم في الحرة، وهو المعروف بالرأفة بالأعداء في الحرب بله غيرهم، وكحديث تعذيب الميت ببكاء هله عليه، وغيرها.
إنني أريد لفقهائنا وعلمائنا النهوض لهذه المهمة وسد الفراغ الممكن إن عُدِمَتْ، لئلا تُتَّخَذَ نصوصُنا مغرما يتربصون به الدوائر.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم