حول التشبه بالحُجَّاجِ


يكثر في المناسبات الشعائرية والشرعية استلال الأحكام والفتاوى الخاصة، ومنها مسألة عدم الأخذ من الشعر والأظافر، والاغتسال، والتطيب، في العشر من ذي الحجة، والترغيب فيها لمريد الأضحية.
وتناول المسألة بشيء من التمحيص العلمي، يبين ما يلي:
1/ قول سعيد بن المسيب وربيعة وأحمد وإسحاق وداود وعموم الظاهرية بالتحريم، ودليلهم ما ورد عن أم سلمة رضي الله عنها - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره وبشره شيئًا. رواه مسلم.
2/ قول أهل المدينة من الصحابة والتابعين وجمهور أهل العلم من المالكية والحنفية والشافعية، بعدم التحريم، بل بإباحة الأخذ من الشعر والأظافر والتطيب وغيرها، وذهب بعضٌ منهم إلى مجرد الكراهة التنزيهية فقط كالإمام مالك رحمه الله، ما يعني أن عدم الأخذ مستحب، وقال بهذا الإمام النووي.
ودليلهم حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ثم أَشْعَرْتُها وَقَلَّدَهَا -أو قَلَّدْتُها-، ثم بعث بها إلى البيت، وأقام بالمدينة، فما حَرُمَ عليه شيء أحله الله له حتى ينحر هديه" رواه البخاري والترمذي ومسلم باختلاف يسير.
المناقشة:
1/ يظهر أن أم سلمة انفردت بالحديث عن سائر الصحابة رضي الله عنهم، ما يعني أنه حديث شاذ، يقدح في صحة روايته ودرايته رغم صحة سنده، ويقول البعض إنه قد فاتها كلام النبي صلى الله عليه وسلم قبله عن الحاج ولم يرد من نوى الأضحية.
2/ إنَّ عبْدَ اللهِ بنَ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما كان يُفتي بأنَّ مَن أَهْدى هدْيًا -مِن الإبلِ والبَقرِ، والغنَمِ والمَعْزِ- للبيتِ الحَرامِ، فبَعَثَ به لِيُذبَحَ في الحجِّ، ولكنَّه لم يَتلبَّسْ بالنُّسكِ ولم يُسافِرْ للحجِّ، بلْ بقِيَ في مَوطنِه؛ فإنَّه يَحرُمُ عليه ما يَحرُمُ على الحاجِّ، فلا يَقرَبُ الطِّيبَ ولا النِّساءَ، ولا غيرَ ذلك مِن مَحظوراتِ الإحرامِ، ويَظَلُّ على ذلك حتَّى يُنْحَرَ هَدْيُه. فلمَّا سَمِعَتْ أمُّ المؤمنينَ عائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها فَتْوى ابنِ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما قالَتْ: ليسَ كما قالَ ابنُ عَبَّاسٍ؛ أنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيَدَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ بهَا مع أبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ علَى رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شَيءٌ أحَلَّهُ اللَّهُ له حتَّى نُحِرَ الهَدْيُ. رواه البخاري.
وعائشة أدرى من أم سلمة بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم.
3/ يظهر ترجيح إباحة ما نهى عنه الكثير، لقوة الأدلة النقلية والعقلية، فجاز لمن نوى الأضحية الأخذ من الشعر، والأظافر، والتطيب، والنساء، خاصة وأن النبي صلى الله عليه وسلم ما خُيِّرَ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، لتيسير الحياة على الناس، ووضعهم في طبيعة عادية دون عنت ولا مشقة ولا تكلف ولا عسر.
4/ ليس كل حديث صح سنده صحَّ الاستدلال به، فعدم الشذوذ والعلة القادحة شرطان آخران للصحة، ومنه علة بقاء عشرة أيام بدون تخفف من الشعر، والأظافر، ولا نظافة بالاغتسال، ولا تطيب، والنظر العقلي التام السليم يأبى ذلك.
5/ كثير من الأحاديث صحت سندا، وعلق صحتها أونفاها العلل القادحة، كحديث حرق النبي صلى الله عليه وسلم بيوت تاركي صلاة الجماعة، أوتسميل أعين من ساقوا إبل الصدقة بعدما ألقى عليهم القبض، أوكتعذيب أبي بكر للفجاءة من بني سليم بالنار، أوحديث سحر النبي صلى الله عليه وسلم، أوغيرها.
والله ورسوله أعلم وأحكم.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم