الاعتدال في الوعظ


الموعظة تتعهد البشرية بتحيين حكيم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعهد أصحابه بها.
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا، رواه البخاري.
وتفقُّدُ الناس بها لا ينبغي زواله، لئلا تقسو القلوب فيصير أصحابها فساقا، قال تعالى في الآية 16 من سورة الحديد(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ).
وهي شاملة لجميع جوانب الحياة حتى يتناولها العباد بصدق وتقرب لله تعالى، بما فيها موضوعات الفقه التي يتناولها الفقيه بالاستنباط والاستدلال، ويستخرج منها العبر والمواعظ.
وعامَّة لكل الفاعلين في هذه الحياة، لا لطائفة على حساب أخرى، أوضد فئة لحساب أخرى، والواعظ الفطن لا يغفل أي جانب وهو يقرع بها آذان السامعين وأبصار القارئين، ولا يتجرأ بها على البعض، دون البعض، ولو بتخصيص وقت لكل معنيٍّ، إن لم يشملهم في حديث، أومجلس، أومناسبة منفردة.
إن الله تعبدَّ الناس كلهم عربهم وعجمهم، تجارهم ومتسوقيهم، وبعموم الفرائض والسنن في الشعائر والأعمال والمهن والصناعات، وغيرها، فوجب على ممتهني التوجيه التناول العام والشامل المقابل المطابق، ومن غابت عنه معطيات المتلازمات عليه التوقف حتى يجمعها، ليصدر عن علم وعدل ومساواة في الوعظ، تماما مثلما نجمع كل النصوص المتعلقة بقضية فقهية لإصدار الأحكام الاستنباطية، والاجتهادية بإلمام.
إن طارح الموعظة على الناس عليه استحضار العمل العقلي التام والسليم إلى جانب العمل النصي، لئلا يخرج عن المراد التشريعي، واستحضار كل المعنيين لئلا تذهب مصداقيته عند البعض، ليكسبها عند آخرين، وإلا سميت واعتبرت الموعظة منحازة، غير عادلة، ولا مقسطة، ولا محل إجماع.
أتحفظ كثيرا عندما أسمع الحاثين على الحج، احتجاجا بنصوص القرآن والسنة، المرغبة فيه، والمرهبة من إهماله، وهذا حق لابد من إقراره، والاعتراف به، لو لفتوا النظر إلى المساهمين في رفع أسعار السفر، من الخطوط الجوية، والوكالات الناقلة، والجهات المستفيدة، والفنادق، والخدمات المختلفة، لمحاربة تعسيره على الراغبين فيه المتشوقين إلى بيت الله الحرام، عكس تيسير تنقل المغتربين صوب الجزائر بكل الجوانب.
إن هذا انحياز، وعدم شجاعة على الطرح العام الشامل.
وأتحفظ على المرغب في الأضحية، وفي قيمتها، وسننيتها، وفضيلتها الشعائرية، وثوابها، وتحذير المنفقين على التوافه مع ترك شراء الأضحية، وهذا حق رائع يحبه جميع المسلمين، رغبة في إرضاء الله تعالى ودخول الجنة والنجاة من النار، ويغفل الجانب التجاري المبالغ في أسعار الأضاحي، ومقدريها حسب السوق، والجزاف، خارج إطار نفقات تربيتها، مع الربح المعتدل، ودون وعظ السلطة بضرورة التدخل لتيسير الشعيرة، بانحياز على حساب العاجزين عن مقارعة الأسعار الجنونية، مثل غض الطرف عمن يمارس التجارة الاستغلالية في الأنعام بمناسبة عيد الأضحى فقط، ليغتني على حساب معظمي شعائر الله، لأنه اعتصار مِنْ يَدِ(ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)32/سورة الحج، فوصل الأمر بالناس إلى الاشتراك الثمني، تجنبا لتضييعها، مع تعسير الفتاوى المنتسبة للفقه، بالنهي عنه، تعصبا للمذهب، دون توسيع النظر إلى مقصد الحصول على أجرها، عوض حرمان العائلة كلها منه، وإذا اشتُكِيَ إليه قال، فلا حرج عليهم من عدم النسك، متناقضا مع الترغيب فيه بشدة.
إن كان للغرب ازدواجية الخطاب السياسي والشعبوي، فهؤلاء لهم انفرادية فيه، بالمجانبة عوض الاعتدال.
إن ما رفضته قيمة الإنسان ليس دينًا، لذلك أريد لفقهائنا عقلا واعظا، ووعظا عاقلا.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم