في سباقات المضمار يحدد الرياضي ترتيبه حسب تحضيره التدريبي واللوجستي والمعنوي، فيقال إن تحديد الهدف الصحيح وقع حسب المنطلق الصحيح، وإلا فإن الخلل فيهما أوفي أحدهما.
الانطلاقة الخاطئة لا تحقق أهدافا صحيحة، والهدف الصحيح تحدده انطلاقة صحيحة، والأهداف غير الصحيحة لا تحققها منطلقات صحيحة.
في علم التربية والتعليم يحدد الأستاذ تحضيرا يسطر فيه مراد العلم والتفكير والمهارة التطبيقية، فيضع بين يديه منطلقات تعليمية، طريقها يوصل إلى الأهداف، أوما سمي الكفاءات، وإلا فيكون قد حدد منطلقات وأهدافا غير متوافقة طردا أوعكسا، والأساليب والوسائل لا تربط بينهما.
استهداف تعليم صحيح لنهضة الأمة، يقتضي انطلاقا منهجيا وتربويا وبرامجيا صحيحا، أما الموجود الآن فهو طلب أهداف عالية حضارية ولو وهما مناورا مراوغا، مع انطلاقات مناهجية وبرامجية وتوقيتية وقانونية خاطئة، وأحيانا تسطر أهداف خاطئة لبرامج صحيحة، ودليله هذا التخلف الأخلاقي والذهني والعقلي والعلمي والمادي لجوانب متعددة.
في بدايات تدريسي شعبة العلوم الإسلامية، وجدت برنامجا رائعا دسما في أغلب موادها، مع تسطير أهداف بعيدة لا تتناغم ولا تتفق معها، كاستهداف الحياة الاشتراكية من خلال دروس الفقه.
قد تكون الانطلاقة خاطئة للبرهنة على النتيجة الصحيحة، كانطلاقة إبراهيم الخليل عليه السلام من فكرة الشك للتدليل على الاعتقاد الصحيح، فكان المنطلق الخاطىء برهانا منطقيا، أوكما استفاد ديكارت في الشك المنهجي من كتاب المنقذ من الضلال لأبي حامد الغزالي، أوكما ينطلق الرياضياتي والمناطقي والمربي من الفرضية الخاطئة إلى النظرية والتربية الصحيحة، بشرط حسن التوظيف للخطأ الوهمي.
قد يكون التباعد بين المنطلقات وأهدافها بالخطأ، وهذا ما يعالجه التقويم، أوبالعمد، لإخفاء الحقيقة خلف الواجهة الناصعة، أولتحطيم الهدف الصحيح الوهمي بمنطلق خاطئ خفي.
إن من المنطق العقلي لكل أمة انطلاقها في بناء مدنيتها أوحضارتها من موروثها ورصيدها الديني والثقافي والعلمي والفكري فيحدث التوافق في الصحة بين منطلقاتها وأهدافها وتعيش على ما تريد دون تناقض ولا تعاكس.
ولا يصح القول إن المجتمعات الغربية توافقت منطلقاتها وأهدافها، لأن البشرية مهما كانت عقائدها تستلزم أهدافا موافقة لفطرتها الغريزية الطبيعية، لذلك لم تبلغ أهدافها الروحية والأخلاقية، إلا الأهداف المادية دون سلامة تسييرها.
إن الأمة الإسلامية بما تملكه من رصيد صحيح ومنظومة عقدية وفكرية وعلمية وتشريعية ضخمة، تتلاعب بماضيها وحاضرها ومستقبلها حين تستهدف الاستقواء الحضاري والمدني والروحي بعيدا عن المنطلق الرصيدي الصحيح.
وإن الماسكين على سلطاتها يرهقونها مع أنفسهم حين يختارون منطلقات لأهداف يحددونها لكنهم يصطدمون بوسائل غير مناسبة هي الشعوب المسلمة فلا هم حققوا أهدافهم ولا أراحوا الأمة وأنفسهم ولا حافظوا على وقتها.
إن هذا ينطبق على الأسرة التي تحتفل من منطلق رصيدها بمناسبة موافقة كالأعياد، لكن بمظاهر مخالفة للطبيعة الروحية تماما، فلا تحقق هدف اللذة القدسية لأن أسلوب ووسيلة توصيل المنطلقات كانت خاطئة.
إن العاقل هو الذي يوطن منطلقاته جيدا، ويدرس أهدافه ويحددها بوضوح ويربط المناسبة بينها، ليعلن الانطلاقة أم يؤجلها لكي يصل يقينا في الوقت والشكل الصحيح المحددين، وللأسف هذا ما فوتته الأمة وحكامها منذ أوقات كثيرة ضائعة.
والمظاهر بيان للنتائج، فأحرى بالأمة وسلطاتها أن تحاول تقييم المنطلقات والأهداف والواقع صلاحا أوفسادا، لتستمر في مسيرتها، أوتتراجع.
ولن يتم لها ارتقاء حضاري كما أراد لها الوحي، إلا بالشجاعة الأدبية والسياسية والمادية في ذلك.
إن التوافق المنطقي بين المنطلقات والأهداف لا ترسمه نفحة عاطفية أوغضبة مفاجئة، فإذا انطفأت ظهر الهدف سرابا والمنطلق وهما.
ولأن أصل المسألة علمي فكري، فالواجب إناطتها بالمختصين المخلصين إن توفر فيها الصدق نحوها.
Tags:
ثقافة
