التسيير بين سلطة الإدارة ومهارة القيادة


قبيل غزوة بدر الكبرى نادى النبي صلى الله عليه وسلم في المسلمين أن أشيروا عليَّ أيها الناس، واستبشر بعد موافقة المهاجرين والأنصار، فبارك الله في الجمع وكان الفعل القيادي الشوري من أسباب النصر.
إنها المهارة القيادية في التسيير، بالمصطلح الجديد المميز بين القائد والإداري.
إن التسيير الذي يعرف للإنسان قيمته لا يمضي في أمر حتى يجمع الفاعلين للمساهمة في الفكرة والتفكير والتخطيط والتنفيذ والتقويم وتحمل التبعات.
إن القائد مؤمن بالتكامل البشري وتلاقح الأفكار والقدرات.
وهو الفنان الماهر، واسع الصدر، يستوعب الجميع، الحياء منه والثقة فيه تسبقان تنبيهاته، يُكَوِّنُ نفسه ليجود على الجميع، مستمع جيد، يحسن التوجيه.
إن قيادات المؤسسات المختلفة يشركون الجميع في الأمر من مبدئه إلى منتهاه بالسند البشري الذي يقيله من سبات عقله إن غفل، ويرفعه من كبوته إذا سقط، لأن الله ما كتب الكمال للفرد مثلما للجماعة.
القائد محتاط ضد حظوظ نفسه بالصيانة الجماعية المكشوفة لقراراته وعلاقاته المؤسسية.
كثير من المفاوضات والصفقات الجماعية تعصم من الميول الشخصية لأن الوضوح يمنع من الاستحواذ على ما يغيب عن الغير.
تجهل القيم المالية لمنح الانضمام والرواتب الشهرية ورشاوى المفاوضين، في تحويلات الرياضين، حين يتكفل بها مسير النادي بمفرده.
إن متعة التسيير القيادي تتعدى في حال النجاح إلى الشعور بالتلاحم الجماعي، والتحرر النفسي العاصم من الاستبداد، ومن تحميل المسؤولية الفردية في حال الإخفاق المحمي بالقرار الجماعي، ومن اللوم الضمائري المكدر.
قد يكون القائد أحد الفاعلين إذا كثرت مبادراته، لفرض قيمة التعاون، والعمل والقرار الجماعي التشاوري، ليتحمل الجميع تبعاته، فإذا وقع الصواب أُثْنِيَ عليهم، وإذا اكْتُشِفَ الخطأ التفوا حول العملية التصحيحية، لحماية المسار.
هذا مهم جدا لأن نفسيات البعض قد لا تتقبل أوامر الإداري، وتستسيغها من محاكٍ يشعر بشعورهم، ويتواجد في منزلتهم، ويسير في فلكهم، وتسري عليه واجبات وحقوق العمل مثلهم، فيكون قدوة لهم أولأكثرهم أولبعضهم.
بهذه الفنيات والمهارات سيلتحم القائد الموجه ومرؤوسوه، وسيكتب له آليا تقدير طاقمه، وتثمين رؤسائه لمجهوداته، مع نفع ذاته بالتميز في الأداء، فليتأمل اللبيب في زينة هذه العاقبة.
عكس التسيير الإداري البحت المتسم بالطبيعة الطاغوتية الاستبدادية، واللذة الأنانية المغشاة بتوجسات الاستعلاء والافتخار حال النجاح المشبوه بابتغاء النفع الفردي، وبالتهم المعاتبة حال الإخفاق غير المحمي.
يعتريه الاضطراب والسفاهة الجسدية والفكرية والمعنوية، يستحوذ على كل الصلاحيات، تضطرب بسببه المعنويات، فتؤول في مناسبات كثيرة إلى صراعات متواصلة.
إن الفرعونيات المتتابعة تاريخيا دَمَّرَتْ نفسَها والكونَ بإلغاء قيمة الإنسان.
وتظنها كمالا استعلائيًا لانعدام التكامل والتلاقح الفكري البشري.
إن عاقبة نماذج التسيير الفردي الإداري هو الدمار، والمناوشات الداخلية، وثوران الشعوب، ولننظر إلى عاقبة استبداد طواغيت رحلوا، وما المآل عن الباقين ببعيد.
ولننظر إلى الرئيس أوردغان الذي أيده تسييره القيادي بخروج آلاف المواطنين الأتراك يقلبون الطاولة على الانقلابيين.
إن التاريخ يكشف عن رداءة الإدارة الزعاماتية الكاريزماتية.
إن التسيير الإداري لن يُكْسِبَ ثقةً متبادلةً، ولن يجلب سعادة للرئيس ولو تظاهر بالعظمة، ولا للمرؤوسين، ولو تغافلوا بالانصياع.
أما القائد فيستمد هيبته من الضمير الجمعي المحمي به.
لذلك ننبه كُلَّ من ابْتُلِيَ بهذه المناصب إلى فن التسيير الجماعي روحا، وفكرا، واستشارة، وأداءً، مع الاحتفاظ بالصرامة والانضباط، وإلى تحطيم النزعة الفردية، التي ينهار بها التوفيق والسداد.
لتكسب السلطة الولاء الوطني، والمؤسسات المهنية النجاح، والحزبية أعداد المناضلين، والجمعية كثرة التبرعات، والاقتصادية والتجارية والمالية ضخامة الأرباح، وننال بذلك لقب الأمة عن اقتدار واستحقاق.

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم