كلما اقتربت الامتحانات الرسمية، تدخل التدعيم التربوي والاجتماعي والمؤسساتي لاحتواء المستعدِّين وأوليائهم، ولاستباق التسب في نجاحهم، والتباهي النسبوي، بما يضاعف الضغوط النفسية، في قالب تخفيفه.
إن المشكلة لا تتعلق بالضغوط النفسية، رغم وجودها نسبيا، لسوء البرامج المصممة بعيدا عن المقاصد المناهجية والزمنية والعلمية والتربوية والوطنية.
ورغم تعلقها بالمتوسطين والضعفاء دون المجتهدين الممتلكين للرصيد المعرفي والعلمي.
وضاعفتها العيون الأبوية الراجية للأولاد مكانا تحت الشمس، تجنبا لمهلكة الرسوب.
وضاعفتها المساعي بين البيوت والمؤسسات والأكاديميات والمستودعات، الدالة على ابتغاء الشهادة قبل العلم.
عكس النتائج النوعية غير العددية في الثمانينيات وما قبلها.
ولا تتعلق بالغش، رغم وجوده للأسف فرديا وجماعيا وعفويا وتنظيميا للتربع على العرش ولو بدون حق، فالمعالي تنال بخشية الله والجد والكرامة.
ولا تتعلق بالصبغة الروحية رغم بعدها، وضرورة غرسها طوال السنة لتستصحب حياة التلميذ، بدون استفزاز ضاغط.
التوصيات باللجوء إليها وعزل الجانب المادي انحراف عن مقصد الاستخلاف في الأرض، ومُضَادَّةٌ لسنن الله في الكون.
نعم عندما نُهَوِّنُ في النشء العلاقةَ بالله، فسيحرمون ميراث الأرض الموعود من الله بسننه الخالدة روحا ومادة.
لقد غابت عن بعض المسلمين مفاهيم حقيقة الوجود في هذه الدنيا، والخلافة في الأرض، والماديات والروحيات، حتى لكأن السامع لبعض الخطابات تتهيأ له الدنيا مغارةً موحشةً يجب عليه النجاة منها، وتركها لوحوش ضارية عوض تنقيتها وإعمارها استجابةً لدعوة الله.
تيسير الامتحانات بتهوين الدنيا، وتطبيع الفشل، والتعايش معه، بحجة تخفيف الضغوط، معالجة خاطئة لداء موهوم، تُسَكِّنُ غير الواعين، بينما غيرهم يتحاثون على الاجتهاد والتركيز لنيل الشهادة، والسيطرة على مفاصل الدولة والسلطة والمجتمع، لاستعباد غيرهم الذين أهدوهم إعمار الدنيا على طبق، واستدبروا السنن الكونية في التمكين، ومنها الاجتهاد في العلم، وبذل الوسع لتحصيله.
المشكلة لا تعالج جزئيًا، بالتركيز على ضحايا واقع مؤلم.
إنها تتعلق بمنظومة تربوية، لم تنل حقها سلطة، ومجتمعا، وأسرا، وأفرادا.
فمن الضروري أن تتوجه نصائح الناقدين صوب المكلفين بها، لمعالجتها بشكل جذري كلي شامل متكامل، وتحديثها بمواكبة التطورات العالمية النافعة، ومنه إعادة النظر في نظام التقويم والامتحانات السنوية، مع ضوابط صارمة كي لا يؤول الأمر إلى المحاباة، والتهاون، والتساهل، وليقدَّس العلم، بدل المساومة والمكانة الفردية والاجتماعية والمهنية والمناطقية، لتتحقق عدالة تربوية تصاعدية ترقوية تامة مستمرة للمجتمع في كل مناطقه، عوض النسب المتفاوتة المتعفنة بالمناورات.
استنفار العمليات التدريبية على طرق التعامل مع الامتحانات وتفاصيل الإجابات وتنظيم الأوقات، لأجل الاستقطاب، تكثيف للضغط، وتضييع لبعض أوقات الحفظ والمراجعات، لا يشعر به مؤطرها، بل يتوهم المساهمة في شيء حسن، لكنه يجهل أن كل شيء عند التلميذ سيتبخر بعدها من شدة الاكتراث بما ينتظره في البيت، فلا يستطيع الجمع بين تركيزين.
إن تضييق مجال تشخيص الداء، تحسير على أساليب العلاج وتشخيصِ الدواء.
إن الظاهرة الواحدة متعددة الجوانب، والاقتصار في تحليلها على بعضٍ دون بعضٍ لا يجليها.
إن التركيز في مبادرات التحليل والعلاج على الجزء دون الكل هروب سلطوي مجهول، أوقصور فردي.
إن تحقيق نجاحات حقيقية مناسبة لمستوى التحصيل العلمي ولو قَلَّتْ، يقتضي تجميع الطاقات لإدخال المنظومة التربوية مصحة العلاج، دون أوهام.
في انتظار ذلك يطلب الحث المستمر على النجاح، واكتساب الشهادة، مع شحن التلاميذ بمعاني روحية دسمة كالتوكل، لأن الصراع له أجنحة، منها العلم، والدنيا لا تقبل الارتكاز على الجهل، ولا الفراغ، إما يعمرها العالم المسلم الملتزم، أويفسد تعميرها غيره.
Tags:
تعليم
