لكل شيء في العلوم حدٌّ يعرف به، يُفَصِّلُ مواصفاته، وضوابطه، وشروطه وأركانه، وهو جملة مفيدة منطلقها مطلق، يتقيد منتهاه بالتدريج حتى يصل إلى معرفة الموضوع المعالج، ويستفيد في حالات كثيرة من المعنى اللغوي المراد منه المرادفات الشاملة له ولما يصلح له في الحياة، وهو لفظة واحدة فقط.
ومنه مسألة البدعة التي ليست سائبةً لكل مُدَّعٍ، أختارُ فيها تعريف الإمام الشاطبي رحمه الله القائل"هي طريقة مستحدثة في الدين يقصد بها مضاهاة الشريعة".
لذلك لا يمكن الحكم على تصرف، أوقول، بالبدعة إن لم تجتمع له هذه العناصر، وهذا يدل على الضرورة العلمية للمسألة، لكن الكثير من محبي السنة مع جهلهم يتسرعون في تبديع الناس بما يجهلون نصوصه، والجهل بالشيء لا يعني انعدامه، فكثير من الصحابة والتابعين والفقهاء رَدُّوا على عائشة رضي الله عنها نفي أفعالٍ للنبي صلى الله عليه وسلم خارج البيت، لأن عدم العلم بالشيء لا يعني عدم وجوده.
لذا لا بد من تبين حقيقتها الشرعية وقاعدتها بإحكام، خشية أن نصيب قوما، أوأفعالا بجهالة فنصبح على ما فعلنا نادمين، لأن العُتْبَ إن أفلتنا منه في الدنيا، لغياب، أوفرار، أوموت، فلا مُغَيِّبَ له في الآخرة يوم التخاصم بين يدي الله تعالى.
والتبين يشمل إسقاط البدعة على الأفعال، والابتداع على الفاعلين، مثلما يُحْذَرُ من الشطط في تبديع كل حكم أومسألة أوفعل أوقائل أوفاعل، فقد يجهل مُبَدِّعُ غيره حقيقتها أوالنصوص الدالة عليها أوالنافية لها أوالمصادر التشريعية التي قد تنفي عن بعض الأفعال أوكثيرها صفة الابتداع، فيصير المُبَدِّعُ مبتدعا.
وقد يُسَاقُ المتوسع إلى تبديع القلوب والنيات والمقاصد، باقتحام شيء خَصَّ الله به نفسه دون مخلوقاته.
فليس كل ما لم ينص عليه في القرآن والسنة بدعة، وإلا لألغينا العمل ببعض المصادر التشريعية، كالاستحسان، والعرف في تحديد طرق وأساليب تطبيق النصوص، والتي أشارت إلى قواعد التعامل في غيابها، دون وصفها بالبدعة.
كثير مما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم اعتبره علماء الأصول من المصالح المرسلة التي لم يشهد لها دليل بالاعتبار أوالإلغاء، أما البدعة الحقيقية فقد شهد الدليل على إلغائها، إما بالنص الصريح، أوبما أمكن فعله لكنه لم يفعل، أوالموقوف على النصوص كالشعائر التعبدية.
ولعل سببه شطط بعض الطرق في استحداث الأفعال والأقوال والسلوكات، ونسبتها إلى التعبد والشعائرية دون صلة بها، مما استفز المتعاطفين مع السنة ولو بجهل لتصويب الغضب نحو الكل، واستعمال أصل سد الذريعة دون علم به، مما يمنح عذر المضطر لمحاربي البدعة، والنظر إليهم بالشفقة.
إن على محب السنة والمنافح عنها:
1/ التزود العلمي: لأن القطع فرع عن الإجماع، وإن لم يتفق على تبديع شيء، فلا يجوز الحكم بها ظنا، كما أوتي كثير من هذا الباب السيء.
2/ التأكد من سنية أوبدعية الفعل، والتمييز بينهما: فالتبين صفة الأتقياء، والتسرع صفة الفاسقين.
3/ التمييز بين السنة والمباح والبدعة.
4/ تقوى الله من اتهام سلوك أوقول بالبدعة: فقد يكون مجرد فهم نص، أواجتهاد علمي، أوعمل بنص نجهله، أوخطأ مؤول مع عدم تعمد الابتداع، لأن الرمي بالبدعة خارم للعرض تماما كالزنا والقذف.
5/ توطين النفس بعدم التجزئة، كمن يحضر المآتم ويشهد التبذير والإحراج، ثم يقتصر على شعوذاتها في التبديع.
إن المسألة موكولة إلى العلماء العاملين المفكرين، وليكن بإجماعهم حسما لمادة الادعاء، لا إلى الدهماء المتزينين بهيئات أهل العلم ظاهرا فقط.
Tags:
شرعيات
