غالب حياة البشر بأصنافهم متراوح بين الفعل ورد الفعل، حسب قناعاتهم حُسْنًا وقُبْحًا، وقلما نجد من يكتفي بالخبر أوالعيان دون موقف، أونظر بالعقل لافتكاك مساحة تحليل المرئي أوالمسموع من خارج أوداخل، أوإنصاف ولو مع المخالف، يرفض ما ينكر، ويقبل ما يعرف، في الواقعة الواحدة، والشخص الواحد، والفئة الواحدة، بعلم وفكر وروية، دون دوافع الانحياز.
لو استقرأنا شيئا من التاريخ البشري لوجدنا ردود الأفعال يعتريها الاعتدال والشطط، إما تأسيسا لاحتمالات آجلة، وإما عملا بحكمة: (دعها حتى تقع).
فقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تأسيس لرد فعل حسن محتاط لإمكان انتشار المنكر، أوانحسار المعروف.
لذلك قد تؤول ردود الأفعال إلى الصفة الضرورية، ولو بالروية المعنوية والبصيرة الآفاقية الحادة، بعيدا عن التصلب التجاهلي المتطرف.
فقد تأسست قواعد اللغات ونحوها وصرفها وبلاغتها، كرد فعل إيجابي ضروري على انهيار الألسن بها، ويصدق ذلك على كل علم يحمل صفة القواعد لما سبق بعد التجافي عن السلائق، كعلم أصول الفقه، والمنطق، وعلوم القرآن، ومصطلح الحديث، بسبب الخروج عن الأوضاع الطبيعية في الأداء اللغوي والفقهي، والحديثي، وغيرها.
فقد انتفض الإمام ابن حزم الظاهري تعلما كرد فعل إيجابي على انتهار اتهم فيه بالجهل.
ومن جهة الشطط نجد ذلك في الإطار الديني التديني والأخلاقي كردود الأفعال على الطرق الصوفية بانتهاج سبيل إحياء السنن، والدعوة القوية إلى الاكتفاء بميراث النبوة فقط، باعتبار الزيادة على السنة ابتداعا منكرا، فآل بالتدريج إلى التظاهر بالسلفية صوابا وخطأ، كل حسب فهمه لها، والإعراض عن كل ما يمت إلى غيرها بصلة، ولو كان حقا أوصوابا.
تَحَرَّى مجموعة شباب القبلة في مسجد لا يستقبل محرابه عينها جيدا، فقاومت ردود أفعال بالصلاة إلى جهة أخرى معاكسةً فقط.
أحد مخالفي المنتسبين إلى السلفية وصل رد فعله إلى النهي عن كل مظاهر سلوكاتهم حتى القميص، واتخذ له حجة وصف الجسد وعدم الستر.
انحرفت طوائف عقدية وفلسفية وفكرية بحجة العقل فحدثت ردود أفعال بالدعوة إلى إلغائه عوض الاعتدال.
ويلعن البعض مبادرات غيرهم، كرد فعل على اختلافات بعيدة.
على المثقفين والمتعلمين ثم العامة تبريد حرارة الانفعال أمام الواقع الموافق والمخالف، لتأسيس تحليل منصف ينكر السيء ويتعامل مع الحسن في الفعل والشخص والفئة والكتاب، كي لا يمنع السير على الطريق نفسه عند التقابل أوالتتابع.
لم تمنع عادات جاهلية سيئة داخل الكعبة، وبين الصفا والمروة، وفوق بئر زمزم المسلمين من الإقرار بالمناسك والطواف والسعي.
إن اعتدال ردود الأفعال يوظف العقل والحكمة والدليل من دون العاطفة والتشنج والحقد، ويكسب نفع الظاهرة الواحدة ولو كان مرجوحا، ويطرح مفسدتها ولو رجحت.
مخالفة أحدهم في أصول الاعتقاد أوفروعه لا تحرم منافعه في علوم أخرى، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.
مخالفة أشعري أومعتزلي أومفوض لا تمنع الإفادة من المتفق فيه من مصنفاته في الأصول أوالفقه أواللغة أوالحديث أوغيرها.
إن الشطط في ردود الأفعال يُغَلِّبُ المفاسد المرجوحة على المنافع الراجحة، ويجحد النعمة، ويكفر العشير، ويتنكر للفضل، ويطرح العقل، ويضطرب أمام المختلفات مع قوة المتفقات، ويدل على ضعف التعليم وتلقيه، ويرمي منافع أهل العلم بمجرد تَحَفُّظٍ في مسألة.
وهو داء نفسي غائر يلغي تفاضل الأرزاق، لا شفاء منه إلا بعلاج إسلامي روحي وعقلي واجتماعي متدرج.
إن ردود الأفعال من المخالفين تستدعي أدبا وأخلاقا تُعَلِّمُ الإنصاف والعدل وتجنب الظلم، وتسوغ من المساوي، لا من العامي الجاهل إذا بال أمام بحر قال هذا بحر ثان.
Tags:
أخلاقيات
