تكون الأوضاع هادئة من بداية العام الدراسي، ثم تنقلب على رأسها عُقَيْبَ انتهاء الفصل الأخير، خاصة عند من يهمه الانتقال إلى مستوى أعلى، أين يطفو اعتبار التلاميذ وأوليائهم لقيمة العلامة في تحقيقه، وتجاذباتهم والمؤطرين إداراتٍ وأساتذةً، والضغوطات المعنوية المخترقة شغاف قلوبهم، والمطالبات الضاغطة لمضاعفة العلامات للنجاة من المجهول، مع استجابات خاذلة تؤسس لأعراف تعليمية سيئة جدا، تهين قيمة العلم، وتربطه بالعلامة عوض المعرفة، والتماسات الإنقاذ بعد المجالس النهائية لِلَيِّ قراراتها وثنيها عن التطبيق، والاتصالات غير اللبقة بالأساتذة حتى في البيوت، للدفع نحو تغيير العلامات وتحسينها، لفرض الانتقال، ولو على حساب مصير الأستاذ تربويًا وقضائيًّا، وافتضاح أمره مهنيا واجتماعيا، مع معارضة القيمة العلمية، والنصوص القانونية والتعليمات التنظيمية، ومقاصد أهل العلم في الارتقاء به، ومراعاة مطابقة جهودهم مع تحصيل متعلميهم.
إن للعلم قيمة تشريعية وإنسانية وحضارية أضحت ضحلة بين أهواء متعددة تتفطر بأشكال مختلفة.
إن التعليم أسلوبٌ تبليغيٌّ رساليٌّ، ووسيلةٌ معرفيةٌ، وطريقةٌ تربويةٌ، وهالةٌ معرفيةٌ، لكنه دُحْرِجَ في دركات الإهانة، بقصره على مسلك نحو المستقبل المهني الحياتي الاجتماعي فقط.
لم يعد بهذه السلوكات المهتمة بالعلامة بأيِّ ثمن مرآةً تعكس الروح الحضارية للمجتمع.
سألت وأنا صغير أحد الإخوان عن المصير المادي لأحدهم وهو يَدْرُسُ الشريعة في السعودية فقال: العلم هو الأهم والرزق على الله.
إن من أسباب ما سبق في المقدمة ربط التعليم بالمصير المادي، فكثير من الشباب المتمدرس يفكر وهو على مقاعد الحجرات في العمل ثم الخدمة الوطنية العسكرية ثم الزواج، قبل ضمان النجاح، ما يشوش عليه التركيز ويزاحم بداخله المتطلبات، فيخرج خاوي الوفاض، ويغفل عن ضرورة نيل النتائج في الفصول الأولى للسنة الدراسية، يحتم عليه اضطراب التحضير لامتحان الاستدراك الذي شُرِّعَ خطأ وأصبح بؤرة صراع بين الراسب وأستاذه، خاصة إذا خرج من يَصُبُّ الزيت على النار في إشعال فتنة بينهما يوقدها الفتانون الوصوليون للتموقع الذاتي على حسابهما.
يجب أن يوطن المتمدرسون أنفسهم ويختاروا بين تقديم العلم أوالعمل، فإذا اختاروا العلم فعليهم اقتضاءً التضحية بالأوقات والجهود وشحن الذهن له حفظا وفهما، لأن الأستاذ المقدر لقيمة العلم لو طلب منه ماله لوهبه، إلا العلم فلا مساومة ولا تعاطف ولا مجانية فيه.
يجب أن يعي الأساتذة هذه الحقيقة لئلا يمنحوا فرص الانتقال لكل قائم ونائم، بتضخيم العلامات وضرب عرض الحائط بجهودهم السنوية، لصالح بعض التلاميذ كانوا مهملين مشاغبين، ثم يتفجر ندمهم في الأخير وكأن التوبة هي المنح المجاني للعلامات.
إن ما زاد الوضع تعفنا النقل الكاذب من التلاميذ إلى أوليائهم عن طبيعة التمدرس والأساتذة والاستعداد للاختبارات وحتى تضخيم العلامات بالكذب وإخفاء الكشوف لإرضائهم بسبب توعدهم السيء في حال الرسوب، كما خَبِرْنَا ذلك ميدانيا.
إن قيمة العلم جعلت طلبته يتبعون العلماء ويحرصون على تبجيلهم ويوجهون العتاب لأنفسهم حين الفشل، لا كما يبرر راسبونا بعتاب أساتذتهم.
إن أكبر إهانة للعلم اعتبار الأستاذ لمجرد عمل مهني قد يضحي به في آخر السنة، وتواجد التلميذ لمجرد عبور سنوي فقط.
أدعو السلطة إلى النظر الجاد في حلول صارمة لاستعادة قيمة العلم وفرضها بالأساليب التربوية الكثيرة، وإعادة النظر في وسائل التقويم لتفكيك فتائل الفتن، وفك ارتباط التلميذ بالعلامة على حساب العلم.
وأدعو المؤمن برسالة التعليم إلى تقوى الله فيها، فإنه ورثها عن الأنبياء فليؤدها دون تزييف ولا تحريف.
وأدعو المؤمن بجهادية التعلم إلى الاستمرار فيه بنية التمكين للحق لا لغيره، والله هو الرزاق ذو القوة المتين.
Tags:
تعليم
