يمر تصحيح البكالوريا بمرحلتين لكل لجنة، وربما تحال بعض أوراقها أوكلها على التصحيح الثالث لتقليص فارق أربع نقاط، فتفاجأت المراكز في هذه الدورة بعد انتهاء العملية، بإعادة تصحيح ورقة المترشح المتمدرس إذا بلغ الفارق بينها وبين معدله السنوي في المادة ثماني نقاط، بحجة إفحام التلاميذ وأوليائهم بعد احتجاجهم العام الماضي على الفوارق بين التحصيل السنوي في المؤسسة وعلامة البكالوريا.
وتحليل معمق مقارن بين منافعه ومفاسده يبين ما يلي:
1/انشغال التلاميذ وأوليائهم غير مصيب، فليس كل معدل في المؤسسة دليلا على التفوق، إلا ضحايا المفاجآت النفسية والحوادث العائلية والإصابات الصحية أثناء البكالوريا، فحالات الغش والتضخيم في اختبارات المؤسسات لمختلف الدواعي والأسباب والأهداف موجودة، ما يتيح لبعض العلامات دوس قيمة العلم تحت الأقدام.
2/تصحيح البكالوريا أكثر دِقَّةً من تصحيح الاختبارات بسبب منع فارق أربع نقاط بين التصحيح الأول والثاني، لذلك:
أ/إذا لم يحدث يعتمد معدل قسمة جمع الأول مع الثاني على اثنين.
ب/إذا حدث تحال الورقة على التصحيح الثالث، وحتى الرابع إن لم يتقلص، مع إقصاء المصحح المتسبب في إعادة تصحيح لجنة كاملة، وحرمانه من أجرتها.
3/تقليص الفارق بين المعدل السنوي لكل مادة وورقة الباك له حالات:
أ/ التقليص التنازلي يضر بالمترشح، وهذا قليل في رأيي لأفضلية تصحيحه غالبا كما أسلفت، مع أن ضعف نقطة السنوي لن تتكرر لما سأذكره آجلا.
ب/والتقليص التصاعدي مفيد جدا لأنه سيرفع علامته حتما.
ج/نتيجة لما سبق ستنفجر مفاسد خطيرة علميا واجتماعيا ومعنويا وربما بدنيا.
وإذا استمر العمل بهذا الإجراء، طلبا لنسب نجاح عالية فإن:
1/قد يعتبر التلاميذ، ويتحفزون للتحصيل والالتزام بالمؤسسات لنيل المعدلات الكبيرة رجاء نفع تقليص الفارق تصاعديا.
2/قد تعود للأستاذ هيبته، خشية أوابتزازا، لأن مصير التلميذ بيده.
3/وقد يضغط التلاميذ وأولياؤهم على كل الفاعلين في الثانويات لتضخيم معدلاتهم السنوية لضمان ما سبق، وقد يستجيب من يخشى على نفسه، أويهين قيمة العلم، وتتوسط أطراف غير تعليمية لتحصيل المدح والعرفان.
أما الرافض فتعلن ضده الحرب لأن المصير المعلوم وليس المجهول ينادي، والتلبية واجبة، والتولي حرام، والفرصة لا تعوض، وهذا منذر بذهاب الوحدة المجتمعية، وإهدار قيمة العلم، وإيذان بالتكاسل، ومحطم لمعنويات الأستاذ، وكسر لخاطره، وتحطيم لتفاعله مع العلم، وقد يعتدى عليه بدنيا مع الثبات، وإن غدا لناظره لقريب، وإني منذر من شر مقترب.
4/سيطلب المديرون تصريحا أوتلميحا تضخيم المعدلات رجاء الترتيب بسباق النتائج، مثلما حدث في المتقنات سابقا لمواد الأعمال التطبيقية.
5/سيتميع التصحيح إلى أدنى المستويات للنجاة من الإنقاذ الخفي، وفارق ثماني نقاط، وسنجد علامات أرفع من هذه الدورة كمآل محتوم.
6/سيحدث التعويم بالأعداد المنجحة، ويرفع سقف معدلات طلب الشعب الجامعية، ويجد المرفوضون أنفسهم بشهادة خارج مجال التغطية.
وبعد:
إذا كان هذا الإجراء استجابة قسرية لضغوط التلاميذ والأولياء، فهو خطأ جسيم، يهدم أركان المجتمع، لأن العلم يعلو ولا يعلى عليه، ويَحكم ولا يُحكم.
وإذا كان لرفع نسبة النجاح لتحرجات اجتماعية وخارجية مختلفة الأسباب، فهو خطأ جسيم، وإنقاذٌ خفيٌّ، وسوء تقدير لطبيعة العلم والمستهدفين منه، وإحلال الغوغاء، وقضاء على نخبة اجتماعية اختارها العلم، لبناء الرقي والحضارة الصريحة الحقيقية عليها.
أهل العلم المتمرسون يشهدون بأفضلية الدفعات الناجحة في نسب منخفضة، غير المختلطة بالضعفاء، لانعدام التضخيم والإنقاذ.
إن مهننا لا تضطر كلها إلى شهادات منها الضروريات والحاجيات والتحسينيات.
لذلك أدعو إلى التحرر من هذه العقد، فالعالم العلمي أصبح لا يعترف بطلبتنا ولو نالوا الباك بجدارة، لأنه فرطٌ بين شهادات غير مؤهلة.
Tags:
تعليم