التعليم تحت الطلب.


ذكر الرئيس البوسني علي عزت بيغوفيتش رحمه الله في كتاب (الإسلام بين الشرق والغرب) خضوع التعليم في معظم البلدان لإنتاج نماذج مطلوبة للاحتياجات وضرورات الحياة، لا لفنٍّ ذوقيٍّ جماليٍّ أخلاقيٍّ، حرَّرَ خاطرة متلجلجة في جوَّاي لم تنقدح لها قريحتي قبلُ، ثم قدر الله أن التقيت مفتش مادة الإعلام الآلي في زيارة للثانوية، اقترحتُ عليه ضرورة تطوير تدريسها، برفع مستويات مضامينها، أوتحويلها كوسيلة للمواد الأخرى، فأجابني بالمضمون أعلاه، في تطابق بين النخبة المفكرة قديما وحاضرا.
إن التعليم يخضع للمطلوب السلطوي المستقبلي مهنيا، لا علميا، ولمطلوب مجتمعي مادي، فغالب الأسر تستهدفه منه.
والنتيجة برمجة موضوعات ملبية، أوحذف أخرى متوَجَّسة، من دون المبالاة بالجمال، والفن العلمي وأخلاقه.
والتغييرات المتكررة للمقاربات والمناهج والبرامج والمضامين، إجابة للتغيرات السياسية والاقتصادية.
وتخويف التلميذ ووليه، وإنساؤهما لذَّةَ العلم بالذِّكر الكثير للامتحانات الرسمية في القاعات.
والتبختر الاجتماعي بالشهادات على حساب المستوى العلمي والثقافي والفني.
والتباعد القاسي بين التلميذ والرقي الأخلاقي والذوقي، الذي ولَّدَ مظاهر سيئة، في سلوكات رعناء.
والزهد الرهيب في النشاطات الثقافية اللاصفية، بسبب شعور التلاميذ وأساتذتهم ولو دون تصريح بتحولهم إلى مجرد وسائل، أتعب معنوياتهم وجعلهم يكتفون بالأداء الإلقائي للخروج بسرعة من المؤسسة، لانعدام الجاذبية الثقافية داخلها، ويزدرون المهتم بنشاطاتها، لغياب مفهوم دروه في الارتقاء بجوانب تعليمية، أدى إلى تحجيم عدد التلاميذ المسموح لهم بالدخول إلى مدرجات المؤسسات لحفل توزيع بعض الجوائز الزهيدة، ببساطة مُخِلَّةٍ، لخلوّ التأطير، وعدم منح ميزانيات معتبرة جدا من قبل المسيرين، سببه إهمال ذهني لدور الذوق الفني العلمي الثقافي.
لقد صممت البرامج والمناهج عمدا أوسهوا على نمطية خاصة بدون روح.
عندما أعمل على تزويد الدروس بمساحيق الجمال الفني العلمي، أوأنصح الأئمة في المساجد بذلك أدرك بحسرة حجم الجفاء التعليمي السابق، فمن اقتحم مجال التزود الذاتي وتلذذ العلم فمن لطف الله به.
إن التدريس الحقيقي العلمي البحت أصبح مزعجا، لذلك تقيد وتراقب موضوعاته وعناصره التفصيلية، حتى الفلسفة المحررة للعقل قيدت وظيفتها كي لا تخرج عن السيطرة.
وهو من دوافع الاستفسارات الإدارية عن متابعة تنفيذ البرامج، والتساؤلات الطلابية حول مضامين أسئلة الامتحانات الرسمية، أوما أطلق عليه اسم العتبة.
ومنه زيارة بعض الأولياء للمؤسسات سائلين عن علامات أولادهم، عوض كمّ التحصيل العلمي، والإدراك الذهني، والطابع الجمالي للعلم.
إن أغلب الأساتذة، يشعرون بالملل المحبط بتناول بعض الدروس المقاسية الثقيلة، فرضت عليهم لمبتغى سلطوي محسوب، مع إنهاء الدرسِ على مضض، وصعوبة نفسية.
إن من الدوافع القوية نحو حفظ الدروس والتميز بملكة إمساك المعارف هو التقديم الفني الجميل، فيكفي الله التلميذ مؤنة التكرار لأجل الحفظ.
وما يَسَّرَ حفظ القرآن لمعاشري التنزيل من المسلمين والمشركين إلا عرضه البليغ الأخاذ بتلابيب العقول التي كان مستواها اللغوي والأدبي راقيا نحو بساقته وهذا ميسر آخر.
فلا يعقل أن يُقَدَّمَ الشعر مثلاً لمن اندحر مستواه إلى قاع الجهل، ثم يؤاخذ على الخطأ في استخراج الصور البيانية واللغوية والنحوية من قصيدة.
فالذي حرم من التدرج التعليمي الهادف كأجيال الستينيات والسبعينيات لا ينتظر منه قراءة صحيحة لسطر نثر أوبيت قصيد بله تدريسه أوتحليله أواستنباطه.
أدعو إلى تسليم مصير التعليم للمختصين المتذوقين، وتأجيل تدقيق تعداد الاحتياجات المستقبلية كمناصب لتخصصات ما بعد التخرج الطلابي بأزواد علمية مستقلة رصينة دسمة ممتزجة بلذات العلوم نختار منهم الأصلح لها.
والأساتذة إلى مزج المضامين الملجئة بعرض فني.
ومسيري المؤسسات إلى التفطن لمنتوج بشري خطير بسبب الفصل بين العلم ولذائذه الفنية.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم