في الطريق إلى المجد الحضاري


ليست كل الصدمات سيئة، فقد يمنع الله شيئا ليمنح الأفضل، وهو القائل (وَعَسَى
أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)216/البقرة.
قبل يوم الخميس 24 أوت 2023م، الموافق لـ 09 صفر 1445هـ، اعتقد جزائريون انضمام بلدهم لتكتل بريكس مضمونًا، بنرجسية وهمية، فأصابتهم فُجَاءَةُ الرفض، ويوم الجمعة عاد إليهم الصواب العقلي والواقعية المنطقية، وخاضت الأقلام تحليلًا وبحثًا عن الأسباب والآفاق، بمستويات عالية ومتوسطة وضعيفة، ودعوا إلى الاعتبار.
لكن ماذا بعد؟
لابد من اعتراف بواقع أهاننا به تكتل بسيط مقارنة بالتكتلات العتيقة، لتشخيص العلاجات المناسبة، أما الاكتفاء بالإباء الوهمي فيضبب طبيعة الطريق.
لنعلم أن البريكس ما هو إلا مجرد تكتل اقتصادي يقاد بفكر مسيس، قد يتماسك، وقد ينفجر، والمنضم إليه لم ينعم بجنة الرحمن، والمرفوض لم يحترق بنار جهنم، ومصيرنا بأيدينا، لا بأيدي كيان آخر في العالم، فالنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته وتابعوهم والدول المستخلفة مِن بعدهم، بنوا حضاراتهم ذاتيا، لا تبعيا، والصين، والاتحاد السوفياتي، والولايات المتحدة، وتركيا، وماليزيا، وسنغافورة، وأندونيسيا، ورواندا، وغيرها، لم يعلقوا أمجادهم بقطب أوتكتل رغم ضرورة الشعرة اللينة معها كلها.
رغم انتباه صفوة إلى ضرورة الاعتراف بالواقع المر المخالف لأمانة الشهداء منذ الاستقلال، والإلحاح على أهمية الاتعاظ لانطلاقة جديدة، لكن لا يحسن التمسك بغائية الانضمام للقوى القطبية والتكتلية الدولية، لأن الاهتمام النهضوي الحضاري لا يتوقف على مضمار سباق ونقطة وصول وفقط.
للإقلاع الحضاري سنن، وكل أمة تسقي جذورها، والمسلمون يُمَكَّنُون بقواعد دينهم، لقوله تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)55/سورة النور.
وتحقيقه باجتماع خبرة جزائرية، تشخص الوضع، والتدرجات المختلفة للسير الحسن نحوه، وكل أساليبه ووسائله الضرورية، واستشراف التحديات المعيقة للتغلب عليها، وتحضير جهود تذليلها، للقفز من الاقتصار على السياسة والاقتصاد والتجارة والمال، إلى نهضة حضارية آمنة داخليا، ومهابة خارجيا.
لابد لاستئناف المسار الحضاري من تقييم صريح وجاد للقيم التي نؤسس عليها بناءاتنا وسلوكاتنا، إن كانت موجودة، وإلا فنحن مدعوون إلى صياغة منهج حياة مؤسس على قيم متينة، لإنسان مجهول الهوية القيمية.
لا يُحَدِّقُ البصر الحديد نحو أهدافٍ بسيطة مادية قريبة تُسَكِّنُ آهات الغلابى، وثورات المعارضين، وتحقق المآرب الانتخابية لبلوغ العروش والمجالس، وإنما يتأسس قبلُ على ترقية ثابتة للإنسان، فهو مجلبة المجد، وصائنه، وخادم أخيه الإنسان وعارف مكانته، ينتج عنه صيغة آدمية مخلصة صادقة مجاهدة بالليل والنهار، كل فرد منه يجعل نفسه حارسا على ثغور الأمة طوعا، لا كرها على باب بيته ومهنته.
واعتناء تام بصحته، ثم توسيع المدارك الاقتصادية المنتجة والخروج من قوقعة التحصيل الريعي، يناط بالإنسان المصاغ بشكل قيمي صحيح.
وبإصلاح شامل للتعليم، يبدأ صارما بتعليم الأسرة تربية الصبي معنويا وأدبيا، ثم التعليم المؤسساتي، بما يلد لنا إنسانا متحضرا، عقله مهموم بالأمة، لا تعليم العلامة والنقطة والانتقال ولو بالتزوير والضغط.
وبإصلاح المواد والبرامج والمناهج تصب في المعاني الحضارية المجيدة لا للقضاء على البطالة وكفاية سوق الشغل فقط.
مترشحو الاستحقاقات يتوسلون الأصوات بالبرامج، لكنها لم ترقَ إلى الروح الحضارية، ولا أفق المجد النهضوي، مقتضاها تجديد العهدات.
حين نرى برامج قرنية مصممة لرفع مجد البلاد والعباد، تتوارثها أجيال الحكام، ولتحرير تعليمنا وغذائنا ودوائنا وسلاحنا، ننال المنعة الزمانية الدائمة، ونستقطب الكلَّ راغمين، باستخلاف رباني مكين.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم