إذا اعتبرنا التقليد والاتباع والاجتهاد مراتب اكتساب الأحكام الشرعية، والمقلد تابعًا لمفتيه، لأنه لا يطلب دليله ولا أصوله ولا قواعده، ولا يفهمها، والحائز على أدوات الاجتهاد كالقرآن وعلومه، وخاصة آيات الأحكام، والحديث وخاصة أحاديث الأحكام، واللغة العربية بفنونها، وأصول الفقه، والقواعد الفقهية، ومقاصد الشريعة، والناسخ والمنسوخ، وغيرها من الشروط الذهنية والعلمية والروحية، يَسْتَمِّدُ من أصول وقواعد اختارها بتمحيص ودراسة دقيقة، أوصله اجتهاده إلى العمل ببعضها وطرح بعضها، ثم رتبها بقناعة منهجية، وفهمٍ واستدلالٍ، ومنه مجتهد المذهب الذي استقرَّ على أصول وقواعد إمامه، ولا يخرج عنها بمخالفة فروع، ولو كثرت، فلا يعتبر مستقلاًّ كما يلتبس على البعض.
أما الاِتِّبَاعُ، وهو دُرْبَةُ طلبةِ العلم وبعض الأئمة، الممنوحين قدرة النظر في الأدلة النصية وغيرها، فهما، ومقارنة، وترجيحا.
وهي الأكثر خطرا وتشعبا، لأن البعض يدَّعِيها دون أهليتها، ولا يعلم موقعه العلمي.
ومن محاذير تحرِّيهِ الدليل بالخطأ حالات:
1/الاقتصار على الاستدلال النصي، وترك المصادر الأخرى للحكم على النوازل المتجددة.
2/الافتقاد إلى المنهجية الاستدلالية، والنظر في الدليل النصي دون قواعد تحكمه فيتيه البحث.
3/ضبابية البحث بغياب مآخذ الأحكام وأصولها، وقواعدها المبنية عليها، غير المصرح بها عند الكثير.
4/وجود أقوال في المسألة الواحدة وجهل بنائها على اختلاف في الأصول، كالاختلاف في سد الذريعة، أوالاستحسان، أوغيرهما، فيعسر التمييز.
5/وجود أقوال فيها وجهلُ بنائها على اختلاف في القواعد، كالاختلاف في رفع التيمم للحدث من غيره، فلا تُعلم مصداقية البحث.
6/وجود أقوال فيها وجهل بنائها على اختلاف في اللغة كالاختلاف حول الإعراب، أوالمتعلقات اللغوية المضمرة.
7/الأخذ بقول أحدهم دون دراية بأصوله وقواعده، ظنا في استقلاله وهو آخذ من مذهب.
8/توهمُ عدمِ تمذهبه، فَيُسْتَمَّدُّ منه اتباعا، وهو مقلد له حقيقة، فإذا قُلِّبَتْ المسائل وُجِدَ صاحبَ مذهب أوأحد علمائه.
كمن يعتبر الإمام ابن حزم مستقلا، لكنه أحد علماء المذهب الظاهري بأصوله وقواعده، أوابن تيمية وهو حنبلي، أوالبخاري وهو شافعي، أوابن عثيمين وهو حنبلي، وعلى هذا الكثير.
فيعيش متنقلا بين المذاهب، ويحسب أنه يبحث عن الحق والدليل، دون تمييز بين الحق والصواب، والباطل والخطأ.
9/الالتفاف الجماعي حول عالم بحجة التحرر من التمذهب، لشعار الدليل، ليتشكل بذلك مذهبٌ جديدٌ، كالملتفين حول الألباني رحمه الله.
في بكورة الصحوة الإسلامية كنا نجتمع حول كتاب فقه السنة لسيد سابق رحمه الله، متوهمين لا مذهبيته لكن بعد مدة ألفيناه شافعيا.
10/الإعجاب بشعار أهل الحديث، والكل ينتسب إليهم، فلا توظف قواعد التمييز غفلة أوجهلا.
إن المُتَّبِّعَ يجد نشوة سارَّة إذا تعامل مع المسألة بالدليل النصي، لتيسره عادة، فإذا خضعت للدليل العقلي، أوالتعليل، أوالمصادر التبعية استعصى التعامل معها، واشتدَّ عسر استنباط حكمها.
إن القضية ليست بالسهولة التي يتوهمها الكثير من متلبسي دعوى الاتباع المتحرر، لاعتبار أحكام المذاهب مجرد آراء، باستكبار النفس، واستصغار الغير، وربما منهم العاجزون عن قراءة الكتب والمصنفات والصبر عليها.
من أراد التحقق من تمذهب أواستقلالية عالم، عليه بدراسة دقيقة، وبحث غائر فيعلم من يعتمد في استمداده على أصول وقواعد، فهو على رشد ليستأنف، أويجهل لِيَتَعَلَّمَ، وإني متيقن أنه سيجد جماهيرهم على مذاهب، ومن ليس على منهجية تراتبية، أدخل الجنون على العلم والفقه.
لا أدعو إلى تمذهب المتبع، شريطة اتباع ما ذكر أعلاه، كي لا يختلط الأمر بين:
1/المتمذهب وغيره.
2/الحق والصواب، الباطل والخطأ.
3/الدليل النصي والدليل غير النصي والتعليل، كبقية المصادر.
لذلك أنصح ببذل الجهد:
1/لبلوغ رتبة الاجتهاد.
2/لاختيار أصول وترتيبها تنازليا، للتصديق على دعوى الاستقلالية، بشرط أن تستنبط أحكامٌ غير مسبوقة، خاصة النوازل الجديدة.
والله الموفق للصواب.
Tags:
شرعيات