طوفان الأقصى والمظلومية الظالمة

التعايش من العدل، احتراما للأغلبية، وإقرارا لحق وجود الأقليات وتوقيرها، في إطار الشرع دون استبداد، أوإقصاء باسم الحكم الغالب، أوالطيش بحجة المظلومية.
والقبول المتبادل والمساواة أمام القانون يزيل المشاهد العنصرية، ويصبح آخر من في القبيلة أوالعشيرة أوالدولة يدا على من سواها.
لا تبيح العدالة الربانية تطاول بعض الأكثرية على القانون، ولا الإسراف فيه تنكيلا ببعض الأقلية.
من طفرات السلطان تغوُّله بما وراءه من جند وشعب على الفئة المفتقرة للعدد والعتاد، والظلمُ منذر بالخراب وشلل الدولة والأمة.
من الأخطاء القاتلة المذهبة لهيبة الدولة استيلاء طائفة الحاكم على مقدرات الأمة، فيضيع حق غيرها في الكرامة، وتُسْتَفَزَّ المظلومية للانتقال إلى الانتقام حال التمكن.
وهو الذي ينتحله الاحتلال الغاشم في مناسبات التدمير، بمبرر التباكي على مظلومية هولوكوست ارتكبها البعض أيام السطوة الهيتليرية، فسيَّر بها طيشه التاريخي، لكنه انتقل إلى الظلم، رغم أنْ لا ناقةَ ولا جملَ فيها لشعب فلسطين، فانهال عليه عوض المتهم الحقيقي.
كشفت لنا صفحات التاريخ عن حالين للاحتكاك بين الأقليات والأغلبية، التعايش الصادق، والتظلم المتمسكن المتحايل.
بعد الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة أصبح العيش الكريم مضمونا لأقليات خيبر، بني قينقاع، بني النضير، بني قريظة، بمعاهدة حسن الجوار وكف الأذى، وأُقِرَّت المواطنة لهم وللنصارى والمشركين، فعاشوا تحت عدله، ولجأوا إليه في بعض اختلافاتهم، كحال القصاص.
بقي الشأن نفسه في عهد الخلافة الراشدة، فقد استحدث عمر رضي الله عنه راتب المعاش بسبب شيخ ذمي عجز عن الاسترزاق.
واحتضنت الدولة الأموية الأقليات، مع ملكها ربع الدنيا، ولم تُقْصِ أحدا من الرعايا رغم الغالبية العربية.
واتبعت الخلافة العثمانية نهج سابقيها نفسه.
نجد الأقليات المسلمة المقيمة في بلاد غيرها، مكتفية بمضمون حرمة الشعائر، وحياة المواطنة المساوية لرعايا الأغلبية، لكن نجد في المقابل من تُؤجلها قِلَّتُها الانتخابية من الحكم، توظف المظلومية في اللجوء إلى مكر الفساد واختطاف المناصب الحساسة.
لكن الاحتلال بحاضره الواضح مقتدٍ بأجداده الذين خانوا عهودهم مع المسلمين للغدر بهم، واستقووا بالمشركين والنصارى، أما الأحفاد المعاصرون فجناحهم الغرب وخيانة بعض العرب، وإلا ما ساموا الناس سوء العذاب والمنقلب، (ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا، إلا بحبل من الله وحبل من الناس..)112/آل عمران.
والأمر نفسه لأقليات البرامكة مع الخلافة العباسية، وخيانة أسلاف العدو للرعاية العثمانية العادلة معهم، فمؤرخوهم يشهدون لحياة أفضل في أكنافها مما هم فيه الآن تحت سلطتهم في فلسطين المحتلة.
فإذا حققوا مراداتهم، واستولوا على السلطة في أي بلد تناسوا سابق ضعفهم، وسلكوا سبل الفراعنة القدامى والمحدثين.
وأيامنا هذه تذكرنا بسطو أقلية آل الأسد على سورية حتى أثخنوا فيها، وقتَّلوا، وغَيَّبوا، وسجنوا، ولم يرقبوا في أحد ذمة، ولا عهدا، ولا سلما، وانكشاف سجونهم بعد تحريرها دليل ألجم ألسنة وأقلام الموالين من الأقلية العلمانية بالتخابر مع النّصَيْرِيَّيْنِ الطاغِيَّيْنِ بشار ووالده.
فلما تحرر شعب سوريا، وعُيِّنت الحكومة المؤقتة، سَخَّروا الإعلام الموالي، وأفرادا معدودين في الشوارع، ينادون بوقاحة على سورية حرة ديمقراطية، بسبب عدم إشراكهم في الحكم، وقد كانوا يُهَمِّشُون مع الطاغية غيرَهم، مرددين شعار حق يراد به باطل، (سورية للجميع)، متجاهلين أن الحكم للباذل، والرعاية للجميع.
إن تحريف المحتل للمظلومية لن يقضي على الداء ولا الظلم، لأنه دليل على عقدة في النفس والمعنويات، تنظر بتوجس من المستقبل لإبادة الغير حذرا من انقلاب الزمان بدورة أخرى، فبَرَّرَ لمظلوميته الظالمة للإنسان والحيوان والجماد بهجوم السابع أكتوبر لتحرير الحق في الأرض.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم