الخطط السلطانية والتهور المرفوض


بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ووثِق الناس في خروجهم من الجاهلية، ويوم استفزأبوبكر رضي الله عنه بمفاجأة الإسراء والمعراج التي لا يصدقها العقل الضعيف في طبيعة ذلك الوقت قال: (لو قال أكثر من ذلك لصدقته)، ورسخ ائتمانهم حين لم يروا منه صلى الله عليه وسلم خيانة ولا غدرا ولاكبيرة ولا صغيرة ولا تقصيرا ولا غيرها، إلا ما وقع باجتهاده لهم ولأمة الإسلام، لكنه لم يزعزع ذلك السند الصلب فيه، وما سلوكاته البشرية والاجتهادية إلا تعليم لنا بعده طرق التعامل، من الحاكم ومن الرعية، ولنا أمثلة لذلك.
أولها موافقته على كل بنود صلح الحديبية رغم بدو بعضها في صالح المشركين، فانهارت معنويات بعض الصحب الكرام، وعارضها البعض صراحة، وأبهمت على البعض فالتزموا الهدوء والسكوت، لأن من صاحبوه مدة تسع عشرة سنة لم يتسلل إليهم إهدار تلك المعرفة العميقة لطارىء ولو كان كبيرا في خيالهم، ومن راعى تحريرهم من غل الشرك والعبودية والرجس والفوضى لم يكن ليخذلهم بعد هذا العقد الزمني، وفهم البعض منها منفعة ولو لم تظهر، وعلى رأسهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، الذي فهم نص قوله تعالى(لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله) بالمستقبل وليس في هذه السنة، حتى طمأن بها عمر رضي الله عنه وهو ينادي: ففيما نعطي الدنية في ديننا؟، وبعض البنود لم يسطع مآلها (الذي لابد من سريته) إلا بعد صدقه واقعا، كإعادة المنتقل إلى المدينة، عكس المنتقل إلى مكة، التي كانت غايتها تقليل عدد المسلمين.
وثانيها العطاء الجزيل من غنائم غزوة حنين، للمهاجرين وخاصة حديثي الإسلام، دون الأنصار، رغم تبوؤ الدار والإيمان والإيثار، فتساءلوا ساهين عن شرط الآخرة على الدنيا، وتوجسوا من عودة حبيبهم إلى قومه في مكة، لكنه حين يتصرف كقائد لا كنبي علَّمنا أن الهدوء المعنوي والنفسي قبل الحكم وترك الطيش أرعى للمصلحة العامة إلى غاية معرفة الدواعي ولو مع الوقت، وقد تعلمنا من بعض علماء الغرب عبارة: il faut donner Du Temp Au Temp، إلى أن أجاب سؤالهم فندموا على ما نسميه تطاولا (حاشاهم).
وثالثها صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على عبدالله بن أبي بن سلول وعمر يمسكه من تلابيبه وهو يقول له دعني يا عمر، ولم يكشف له حجاب السر إلا بعد مدة، ثم قضى التدرج ألا صلاة على المنافقين بعدها.
ورابعها كان خرق السفينة قمة المعروف، وقتل الغلام قمة الرحمة، وحبس كنز اليتيمين قمة الوفاء، فجعل الصبر حتميا على ما لم نحط به خبرا.
لقد عهدنا كثيرا من التحفظات في التنظيمات، فمن باب أولى إذا تعلق الأمر بالأمة.
لا أقول هذا للتبرير، لكن للتفكير قبل رد الفعل، وللهدوء عند الحيرة فيما يقينه غير ما نرى، وللتريث قبل التسرع، وللروية قبل التهور، لتعلو الكلمة عند بيان الصواب من الخطأ، وانتقاد السلوك والتصرف والسائر والمسار.
ولا لمن لا يفرق بين أنواع تصرفاته صلى الله عليه وسلم، إنما لمن ميزها حسب حالاتها ومواقعها، وعلم أنها لتعليمنا عدا النبوية.
ولا لإضفاء صبغة النبوة على البشرية المعتراة بالصواب والخطأ، إنما لرصد أعمالها من كل جانب، لأن الحق واحد يرى من جهات.
ولا للصرع بالاستعباد وتطبيع الاستبداد، إنما لاستبيان طريق فكاك الأحرار.
ولا للولاء دون حجة شرعية، لكن لعدم البراء مما قد يكون حقا أوصوابا مجهولا، قد يُعلم بعد حين.
ولا خوفا من العبد، أوجعل فتنة الناس كعذاب الله، لكن وجلا من رب العبد إذا ظُلِمَ قبل تبين الخطأ، ولا يجب البيان قبل وقت الحاجة، والترجيح بين المنافع والمفسد قبل الترك أوالعمل لا يتقنه كل الناس، والفقه الرخصة أما التشديد فيعرفه كل الناس، كما جاء في علم الأصول وقواعدها.
ولا للجم اللسان عما ترى العين من الجرم وإهلاك الدين والنفس والعقل والعرض والمال.
ولا للذين قطعوا اليقين بالتكذيب من أول يوم، لكن لمن صدَّق المنطلق، وتابع الوقائع التي تساءل لها، ثم لاحَ له الصواب الذي لم يفش سره لكل باحث.
ولا لمن كره الكل ووالى في غير الحق وأراد الخراب والدمار للبلاد والعباد، إنما لمن علم أن الرجال حين كشفوا النقاب وأزاحوا اللثام عن التدبير فقد حرموا تولي الدبر بعد تجلي المسلك، لأن التراجع سلخ لهم ثم للشعب بعدهم، فالتولي يوم الزحف كبيرة شرعية، والمنتصر في أول معارك الحرب لا يسلم سلاحه لعدوه كي يقتله.
هذه مسلمات يجب غرز الذهن ثم فتقه لتغرس فيه للثبات على ما علمناه، وانتظار فشو سر ما لم يُعلم لكن في وقته.
ولا لمن اعتبروا أنفسهم مدربين وفنانين وعسكريين ورؤساء ووزراء وعلماء فقه وسياسيين، وهلم جرا، إنما لمن عرف قدره مع شراسة الأشاوس في حرب التحرير والتطهير.
ولا لمن أراد التصعد لاستراق السمع، إنما من استلم الخبر بالتسلسل السلمي.
بغير هذا سيتداخل الدهماء بالأخيار، والغوغاء بالصفوة، والسفلة بالحكماء، ويختلط الحابل بالنابل، ويحل الهرج والمرج، والتنازع الجالب للفشل وذهاب الريح، قال تعالى(وَلاَ تَنَازَعُوْا فَتَفْشَلُوْا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) سورة الأنفال.
والتجارب دروس معلمة، ولا ينبئك مثل خبير.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

أحدث أقدم