أقرأ وأسمع كثيرا عن الثقة المفقودة بين الشعب والسلطة، وتعليق الانطلاق التوافقي عليها كأحد الشروط الأساسية، وإني من التواقين إليها لتتوقف نزاعاتنا ونمر إلى مرحلة البناء الحضاري المنشود المفقود، إلا أن كل ما يؤمله الفرد والجماعة البشرية قد يكون ممكنا أودونه، نسبيا أوتماما، جزئيا أوكليا، حقيقة أووهما.
كلما حدث اصطدام، تطورت الأوضاع إلى المطالبات الكثيرة ومنها الثقة المشترطة كعربون العودة إلى تطبيع الحياة واستئناف البناء.
إلا أنني أرى والله أعلم أن الكلام عنها لا يمحو الذاكرة التاريخية للاستفادة من الإمكان من عدمه، وللنزول إلى وهدة الملموس.
وإذا عمقنا النظر السحيق، لم نجد ثقة تامة توافق عليها ملوك وسلاطين مع رعاياهم.
إذا التفتنا إلى عهد النبوة المتسم بالعصمة الكاملة، لتحققنا من نسبية الثقة، ولذلك تأسست حركتا الرفض والنفاق، رغم الثقة التامة من قبل باقي الصحابة رضي الله عنهم، واستمر الأمر بشكل نسبي يترى كلما بعد الزمن عن عصر النبوة، ومن أراد التعرف أكثر فعليه البحث في جزئيات التسيير المختلفة من الخلفاء وسائر الحكام مقابل ردود اهتزازية من المحكومين، ولم تصل العلاقة أبدا إلى احتضان ولا انصهار بيني تام، إنما شهادة الواقع أن الترقب كان سيد التواصل لتمديد عهدة الحاكم بسبب الرضى النسبي الغالب، أوعزله لعلة الغضب النسبي الغالب، ولم تتعطل الحياة العامة ولا الخاصة، ولم تخرج عن طبيعتها السلسة بسبب شرط الثقة، رغم بعض الهرج والمرج الذي كان غالب أسبابه المؤامرات والدسائس.
إن الثقة المنشودة المشترطة كعارض خشبي موضوع في طريق البناء تتراوح مفاهيمها وأغراضها بين أطرف المطالبين بها.
فهل الثقة المطلوبة مجمع على هدف واحد ومفهوم واحد؟
لا أظن ذلك، لأن كلا يترصد المرمى المراد، تتحقق له بإصابته وإلا فلا.
وأي عربون يمكن للحاكم تقديمه للمطالبين؟ بحيث يروق للمتخالفين؟
وأي طبيعة للحاكم تتوافق مع جزئيات هذه الفئات؟
وأي مدى معتبر تراد منه الثقة؟
وأي النوايا تصدق في ابتغاء الثقة المزعومة؟
لو نظرنا باختصار إلى عهدين قريبين جدا، سلطة التسعينات وسلطة اليوم، لوجدنا نسبية كبيرة متباينة جدا بين الفاعلين في كل فترة إزاء هذه المسألة، ولو جزأناهم لاختصرنا المشاهد بعد انتخابات 1991 ظاهرا في ثلاث فئات، الوطنيون والإسلاميون والعلمانيون، لذلك استحال توحيد مفهوم الثقة في نظر كلٍ منهم، فمايريده هذا يرفضه الآخر، مع اختلاف المقاصد الخفية، فلا ثقة متوافقة أبدا، ولو بقي الأمر لهذا الخلاف المفاهيمي لما مررنا إلى فترة استقرار ولو عرجاء، ومع ذلك أنا على يقين من وجود شنآن سري حتى بعد توقيع محضر مؤتمر الوفاق الوطني الذي خلص إليه الفرقاء يوم 30 جانفيي 1994م، وبقي نقصان الثقة مستمرا بسبب التوقيع المتحفظ بعد الضغط النفسي والواقعي، والتآكل الداخلي الوطني من طول مدة الأزمة فقط، وما لبث أن عاد الحديث عنها مجددا، وكأن لم يكن شيئ، بله عدم العمل به، ما يدفع إلى القول إن جهة غالبة فرضت تصوراتها وبنودها وقواعدها للاستمرار في الحكم وتطبيع الحياة وفق نظرتها الخاصة مع لمسات فسيفسائية إستنقاذا للمنافسين أوالخصوم من التمرد.
واليوم نشهد فعلا سياسيا من أكثر من طرف، الإسلاميون على ضعفهم وتآكلهم، الوطنيون الناشدون العودة إلى الأصل، العلمانيون الرافضون لأي تغيير في طبيعة سياسة وفلسفة ونموذج السلطة، مع ظهور طرف جديد وهو العرقيون من كل جهة، فأي ثقة نبحث عليها في هذا الخضم؟
أي طرف سيفرض مفهومه للثقة كي تهدأ الأوضاع؟
أي النيات سيحكم لها أوعليها في طريق البحث عنها وإمكان تبادلها؟
ما هي التوافقات المشترطة والمنتظرة في خضم الفوارق الفكرية والإيديولوجية العميقة بين الفاعلين في الحراك والسياسة والسلطة لصناعة الثقة المشترطة كي نمر إلى التطبيع؟
الإجابة الحتمية في نظري، هي المرور إلى التعامل مع السلطة الجديدة مهما كان الموقف من شرعيتها، ولو بترصد نجاحاتها وإخفاقاتها، والفيصل النهائي بينها وبين المراقب السياسي والشعبي والجمعوي وحتى الفردي مثلي هو الدور الانتخابي القادم تشريعيا ومحليا ورئاسيا، لكلِ من تظاهر بنية تقديم الأفضل للبلاد والعباد، لأن المفهوم الديمقراطي التبادلي يقضي بالمراقبة المعارضة ولو بتأسيس حكومات حزبية موازية لدراسة السقطات والنجاحات.
لأن انتظار الثقة المستحيلة إما هو من صنع المتربصين لتعطيل كل مناسبة لسلوك المخارج الممكنة، وهذا يفتح باب الاتهام المتبادل.
وإما من صنع التائهين في مغبات غياب حقيقة المسار الوطني ولو كانوا من المفكرين.
أومن صنع المبتغين أهدافا خفية لا تتناغم مع العمل الوطني الجامع.
أومن صنع الغافلين عن طبيعة الفاعلين في الساحة.
أومن صنع القاصرين انتخابيا باستغفال غيرهم من الأغلبية.
أدعو كافة المخلصين في أرجاء البلاد من كل الجهات والطبائع والمشارب إلى المبادرة بتفعيل تحويل الشعارات إلى أعمال، وتبوء مكانة قيادة الشعب إلى مرافقة السلطة الجديدة وصناعة التحدي الندي لإجبارها على الالتزام بتعهداتها الانتخابية، لأن فرصة إسقاط حكمها ستواتي المعارضة في أول مناسبة استحقاقية إن كان الشعب الناخب في مستوى الخروج بزخم كبير جدا لتحويل المسار السيء إلى الأحسن، وهو ما يجعل السلطة تحذر من الزلات الأدائية والذي أعتبره جزء من الشراكة السياسية.
خاصة أن العودة إلى ما قبل 22 فبراير 2019م مستحيل بسبب انقشاع ضباب الخوف عن الأفق الشعبي.
إلا إذا استحال الحراك إلى ماكنة ضغط وقوة اقتراح.
إلا إذا استحال الحراك إلى ماكنة ضغط وقوة اقتراح.
لا أقول هذا الكلام اصطفافا مع السلطة، لأن الموعد الانتخابي انقضى، ولا مع بعض شخصياتها، فلا نقير لي ولا قطميرمعهم، ولا مع المعارضة، لأنني غير مهيكل مع طرف منها، إنما انطلاقا من حريتي في التحليل والتفكير والرأي وشيء من التعقل أدعيه، ومن الحكمة أزعمها، ولأنني أرى بعين التاريخ والتجربة اصطدام الحراك بجدار المطلب المستحيل، مع مرور السلطة بسرعات متفاوتة نحو تنفيذ برامج قد تنجح بها في خدمة البلاد والعباد، أولا، فيتباعد الطرفان، وإن قدر الله لهما اللقاء فسيكون على هوتين عميقتين، مع أن فرصة تقليص مدة الحكومة الجديدة مواتية جدا بعد تشريع قانون صارم عادل للتدرج نحو قفزة انتخابية أكثر نظافة، يتيح اعتلاء مجلس تشريعي شرعي التمثيل، يسمح للأغلبية الفائزة من تشكيل طاقم حكومي مخالف لما يعترض عليه الآن، حسب طبيعة النظام الذي يقره الدستور الجديد.
أنا على يقين أن المعارضة الشعبية والحزبية ستستاء وتتضايق من طول أمد الأزمة، وبعدها ستجد نفسها مضطرة لدوافع مختلفة إلى قبول أدنى الخطوات التي ستوصف حينها بأنصاف الحلول تعود بها إلى قبول اللامقبول الآن، والتاريخ والتجربة شاهدة.
لذلك أحذر من سوء تضييع مزيد الأوقات واستنزاف الطاقات، لاستكمال البناء ولو بالنقائص الحتمية لأن الكمال لن يتحقق إلا بالتدرج الذي قد يطول.
هذه نظرتي إلى مسألة الثقة، ومع ذلك لن أتعصب لرأيي، ولن أمنح لنفسي العصمة من قصور النظر، والواقع الآتي كفيل بالحكم.
Tags:
فكر
