طوفان الأقصى والإنصاف

أكد علماؤنا الأجلاء على التجمل برداء الأدب قبل العلم، تجنبا للظلم في المحاجَّة، وتحليا بالإنصاف مع الخصم والمؤيد، ومع أحداث الماضي والحاضر والمستقبل، ومع الحركات والجمعيات والتنظيمات، ومع مواقفها موافقة أوتعارضا.
قد نتحفظ من سلوك سلطاني أواجتماعي أواقتصادي أوحربي، لكن الإنصاف يمنع الحكم الكلي وتضييع معطيات أخرى مفيدة، قد نجهلها لضبابية المشهد الواقع.
فالنفع والضرر يعتري كل سلوك إنساني إلا الأنبياء والمرسلين.
ولا خير مطلق، ولا شر مطلق، بل نتعامل مع مطلق الخير، ومطلق الشر.
كنت أرفع لتلاميذي ورقة الكراس وأشير إلى هامشها لأبين لهم ضرورة ترك هامش الحوار للتراجع السلس، ويشبهه الأحكام التاريخية الظنية، تجنبا لعبارة (ألم نقل لكم؟).
من حق كل مسلم تهمه أرضنا الواسعة وبالخصوص فلسطين، التفكر في طوفان الأقصى من باب الدواعي والأسباب والمنطلق والواقع والتدبر في النتائج، لكن الإنصاف يُذَكِّرُ ببعدنا عن الميدان الذي من عمقه تستقى الحقائق.
الإنصاف حسنة في عمق الأخلاق، عكس التبرير، لأن واقعنا الجغرافي والمعرفي والعلائقي يحتمه علينا من باب الإمساك عن الجناية على ما لا نعلم، حتى نعلم.
ولأنه يمنح التروي في النظرة إلى علاقة إخواننا حماس والجهاد بإيران، وعدم توزيع الشتيمة عليهم للجوئهم إلى الدولة الفارسية، ويمنعنا تضليل أبصارنا وبصائرنا عن غلق الأبواب العربية السنية في وجوههم، فتصرفوا كالممسك بالسدر للنجاة من الغرق.
إن إخواننا أرادوا فك الحصار عنهم بهذا السلوك.
إن النخوة والقومية العربية التي يتغنى ويتبختر ويتخايل بها العرب تسومهم سوء عقاب الفضائح على خذلانهم مركز العرق القومي العربي الفلسطيني، لأنهم أسلموهم للمحتل والفرس، فلا يحق لهم عتاب حماس والجهاد إلا بإعادتهما إلى الأحضان للقضاء على مبرر اللجوء إليها، عملا بالذود عن عرض الأخ، وحسن الجوار وكف الأذى.
فقد لجأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى:
1/ قبيلة ثقيف بالطائف لعله يجد متنفسا للدعوة.
2/ المطعم بن عدي وهو كافر، بعد عودته منها.
3/ جبل أحد بعد مضايقة الكفار، وهو حجر، ولم يعاتبه ربه، رغم قوله (أحد جبل يحبنا ونحبه)، لأنه علم منه عدم عبادته.
4/ التحالف مع قبيلة خزاعة بصلح الحديبية وهي كافرة.
لقد تنفسوا وكانت لهم إقامات ومكاتب معتمدة، ولم تمنح لهم هذه الفسحة عند المفتخرين بالشهامة العربية الموهومة.
قد تستفيد إيران من هذه العلاقة والإمداد المحدود بـ :
1/ تلميع صورتها عالميا وعربيا بالخصوص.
2/ رسالة إلى الغرب لتتمكن من النيابة عن القضايا العادلة والمستضعفين رغم جرائمها في سوريا ولبنان والعراق واليمن والأحواز وغيرها، فهي تتعامل بمنطق السياسة والمناورة والمصالح المتبادلة، ورغبتها في حضور جولات التفاوض دليل قوي.
3/ شراء المجد الفارسي المنشود، بفتات سلاح، وتدريبات.
ومع ذلك بقيت حماس والجهاد حركتين سنتين خالصتين أوصدتا باب التشيع بغزة.
ويبقى ضابط هذه العلاقات مصالح مشروعة متبادلة، وعدم التأثر بعقيدتها المنحرفة.
إنني أكره بناء مجدها الفارسي على ضعفنا الملجئ، لكن تشرذمنا وجبننا الهالع من الأعداء أوقعنا هذا الردى.
من المفارقة المتناقضة أن ننصف حكوماتنا في علاقاتها مع دول غير مسلمة، وننكر على حماس والجهاد علاقتيهما بدولة فتحت لهما ما أغلقه العرب السنة وصرحوا بعدم قدرتهم على فتح أبوابهم.
ونحسن إلى الجلاد ونفضله، ونسيء إلى الضحية ونرديه.
ومن الشهامة أن نكف العدو عن الظلم، قبل عتاب الأخ عما سبب.
قد نعترف أن مصلحة الدولة الفارسية ابتزاز منافع كثيرة، تدعم بها موقعها المهيمن في العالم، لكن على حماس والجهاد فطنة الحرص على منافع البلاد المقدسة، وحسن استغلال فجوات الصراع الغربي الفارسي، وعدم الوقوع فريسة قوة منفردة، للمرور بسلامة عقدية وسياسية وتفاوضية.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم