عَنْ أبِي نَجيحٍ العِرْباضِ بنِ سارِيةَ رَضْيَ اللهُ عنه قَالَ: (وَعَظنا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم موعظةً بلِيغةً وَجِلتْ منها القلوبُ، وذَرَفتْ منها العُيون، فَقُلنَا: يا رَسولَ اللهِ كأنَّها مَوْعظةُ مُودِّعٍ فأوْصِنا. قَالَ: {أُوصِيكمْ بِتقوَى اللهِ، والسَّمعِ والطَّاعةِ، وإنْ تأمَّرَ عليكم عبدٌ حَبَشِيٌّ، وإنَّه مَنْ يَعِشْ منكم فَسَيرَى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشدينَ المهديِّينَ، عَضُّوا عليها بالنَّواجذِ، وإيَّاكم ومُحدثاتِ الأمورِ، فإنَّ كُلَّ بِدعةٍ ضَلالةٌ}. رواه أبوداود والترمذي، وقال: حديثٌ حسَنٌ صَحِيح.
يستدل البعض بالحديث على التمسك بأقوال الخلفاء الأربعة في الفقه.
واستحضارا لقراءتي كتابيْ الدكتور حاكم المطيري (الحرية أوالطوفان)، (تحرير الإنسان وتجريد الطغيان)، بدا لي أن النص يتجاذبه طائفتان:
1/طائفة فهموا منه السنة بشمولها، والاقتداء بالخلفاء في العمل بها، وبفتاواهم الفقهية. وترك البدعة، والدليل عطف ذكرهم عليه مباشرة، فالخلفاء الأربعة هم أعلم الأمة والصحابة.
قال القاضي أبو يعلى الحنبلي في كتاب العدة في أصول الفقه، (وسنة الخلفاء، أي يريد به الفتوى، وخصهم بالذكر، لأنهم أعلم زمانهم).
وذكر تقوى الله في النص، وهي شاملة لكل تصرف.
وذكر التحذير من محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وهو شامل لشتى مجالات الحياة.
2/طائفة اعتبروه بيانَ طريقة الخلفاء في الحكم، وبالمصطلح المعاصر المنهج السياسي في الحكم.
والدليل: ذكر السمع والطاعة، فالنص يفهم بسياقه لا بحرفيته فقط.
وتخصيص الخلفاء بالذكر بعد بيان شمول السنة النبوية من باب عطف الخاص على العام، لميزة زائدة هي سياسة الحكم.
والترجيح يظهر قوة تفسير سنة الخلفاء بسياسة الحكم التي يقتدي بها المسلمون.
فالسمع والطاعة المذكوران يتنزلان على مسألة الحكم لا مسألة الفقه، لذلك عطفت سنتهم تخصيصا.
لو كان دالا على الفقه، لضَمَّ النصُ الفقهاءَ الكبارَ من الصحابة، كابن عباس، وابن مسعود، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وأبي موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل، وأبيّ بن كعب، وغيرهم، ممن ذاع صيتهم في العلم والفقه والحفظ والرواية والدراية.
فلا يعقل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعض على سنتهم بالنواجذ، ثم يخالفون في مسائل الفقه، كفهم ناقص للنص.
وقصر سنة الخلفاء على الفقه إهدار لمصداقية الحديث، فقد حضر خلافتَهم أكابرُ الفقهاء، وكانو يستشيرونهم في العلم والرواية، كابن عباس، ومحمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة ومعاذ بن جبل وغيرهم.
والاستدلال بفهم الحديث حسب السياق مُرجِّح قوي.
صحيح أن أقوالهم معتبرة في الفقه الشرعي، وهم أسوة العلماء، لكن الفهم الحقيقي للنصوص، والعمل بالاجتهاد ليس مقتصرا عليهم، بل سيجد الباحث كثيرا من أحكامهم الفقهية أقرب إلى مهمة الحكم من مجرد الفقه العلمي المعتاد.
وقد وقع بينهم اختلاف في بعض المسائل العلمية، لكنهم لم يستأثروا بها.
وطرق اختيار الحاكم عبر التاريخ الإسلامي، منها الصحيحة، كسنة الخلفاء الراشدين، ومنها المُوَرَّثة كالاستخلافات الأموية والعباسية وما تلاها.
ومع استمرار قراءتي لمصادر أصول الفقه واستدلال الأصوليين بالحديث على حصر الإجماع الأقوى في الخلفاء الراشدين، وجدتُ بعدًا في فهم النص.
فضيقوا الفهم بحصر العلم في الخلفاء، والواقع غيره، فزيد بن ثابت (على سبيل المثال) كان أعلم الصحابة في الفرائض، فقصر السنة العلمية عليهم، معارض للواقع.
زاد الفهمَ بعدًا سلوكاتُ الملوك والأمراء لتخدير الشعوب واستغفال الأمم عن مسألة اختيار الحاكم بحرية لا بجبرية تعيينٍ يصادق عليها ما يسمى هيئة الحل والعقد، فهمٌ أعْجبَ السلاطينَ، فبركوا كالناقة على عقول بعض علمائهم وكرَّسوا الاتجاه الفقهي بعيدا عن المسألة، للتخلص من وجع الشعوب.
إن العلماء مطالبون بنظرات متفحصة للرصيد العلمي من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وفهم أصحابه، ثم تمحيصه، ونقده، لإعادة تدوينه مجددا مطورًا، بغية تعبيد مسار علمي منهجي صحيح، يُحَكِّم شرع الله في مجالات الحياة بفهم صحيح.
Tags:
شرعيات
