نفدت مدة إعذار فرعون بعد دعوة موسى عليه السلام له إلى التوحيد، وتحرير بني أسرائيل من الاستعباد والاستخفاف، ومنحهم حريتهم بعدهما {فَاتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَنْ ارْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ}، حان وقت الرحيل مع المؤمنين به والهجرة إلى واحة العبادة الحرة المستقلة لله رب العباد، بعيدا عن حياة القهر، {وَلَقَد اَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى ٱلْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَٰفُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ}، فاتَّبعهم فرعون بجنوده وزبانيته بين خوفهم منه وقومه أن يفتنهم ويلحق بهم {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}، لكن الله سلط عقابه بعد إمهاله، {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ}، والله يمهل ولا يهمل، ونعوذ به من إمهاله، {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا، وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}، إمعانا في إذلال من أراد التجبر على الله وعباده، رغم ما فيه من رحمة للتوسعة الزمنية منحًا لفرص التوبة.
سخر الله لموسى وقومه عرض البحر بلجته، أما فرعون فمنعه تجاوز الشاطئ حتى أغرق في اليم، ولم يلج بطغيانه عرض البحر، صغارٌ أن يغرق مدعي الربوبية العليا قرب الشاطئ، مُنِعَ التحجج بظلمات البحر، ليُعِزَّ الله العابدين، ويذلَّ المتطاولين.
أُسقط هذه المقدمة الواعظة بعبرتها على طغاة العدوان على غزة، وَاجِهَتُهُمْ المحتلُّ، وبواطنهم وقواتهم وأسلحتهم وأولياؤهم وعملاؤهم كل معادٍ للمسلمين وخونتهم ومخذلوهم ومثبطوهم، فطغيان فرعون يقاس عليه كل مضاهٍ عظمةَ الله تعالى من أبسط سلوك استكباري ظالم معتدٍ في الأرض وتعالٍ فوقها، إلى ادعاء الربوبية والإلهية.
تمادى الاحتلال في استصغار العباد واستذلالهم، فلما انتفضوا لاستعادة الكرامة، حاكى فرعونَ في قتل الأطفال، والرجال، واستحياء النساء، واغتصابهن، بعقيدة تأمر بتجريف الأبدان والأرواح {فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ، وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ}،
عوض انتقامه من فراعنة العصر اعتبارًا بعذابات أجداده، ورث الصبغة الفرعونية، فانهال بقهرها على المسلمين.
تجنبا لولادة الصبيان، ونشوء الصغار، وفيضان إيمانهم بكرامة الأرض، وقيمة الحرية، وقدسية الأقصى، استئنافًا لفتوحات صلاح الدين وجنده الأبطال، واقتداءً بها.
الحاخامات يأمرون بذلك عيانا، ورئيس وزرائهم ينفذ على الأطفال والرجال والنساء، يدفنهم أحياء وأمواتا، متظاهرا بملاحقة رجال المقاومة، الذين سقوه كأس الإذلال والعار بأسلحة خفيفة أعجزت الترسانة الدولية، كإعجاز عصا موسى فرعون أمام سحرته.
زجَّ بعسكره في مستنقع غزاوي يمني النفس برمي مجاهدي القسام والسرايا في بحر غزة، لكن الله يقدر في كل احتكاك مسلح رمي جثث مجنديه قسرا بأبشع ميتة، في هندسات أنجزها لنفسه، جاهلا فضيلة الاستشهاد في برِّ غزة أوبحرها دفاعا عن شرفها، على خزي الموت جيفة في قذارة المصارف، لا تختلف عن صورة {فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ}، لكن الله يوقعه كل مرة في الاستدراج إلى عمارات، أوبيوت، أوطرقات، ليترك أزلامه لحتفهم.
{فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ، سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ}.
لقد أذيع عنه يوم الجمعة 12 جويلية 2024م الموافق لـ 06 محرم 1446ه، قوله في أحد اجتماعات الحكومة "أنا رئيس الوزراء وأنا من يقرر"، في عنجهية استكبارية طغيانية فرعونية، متناسية ماضيها الذليل، في استدراجٍ ممهلٍ جديد ليؤخذ بعزة المقتدر لا يعلم موعده ومكانه وصفته على أيدي الرجال الأشاوس، في الجهاد الباسل، والمقاومة المخلصة، في طوفان الأقصى إن شاء الله، إلا هو سبحانه.
{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ}.
Tags:
مجتمع
