لا أتناول الإباحة بالنمط الأصولي القديم، لأنها أكبر مساحة حكمية على سلوكات البشر، "دائرة العفو"، ولعلها سِرُّ تقديم النبي صلى الله عليه وسلم الحلال على الحرام والشبهات، {إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، والْحَرَامَ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ} متفق عليه عن النعمان بن بشير.
ينزعج الكثير من التنبيه الشرعي لأنهم يتركون شساعة الحلال إلى ضيق الحرام، ولو ساحوا في عرض المباحات ما نُهُوا.
منتوج استقراء النصوص وفرعياتها يفيد قاعدة: {الأصل في الأشياء الإباحة}.
إنْ تَنَزَّه بعض الزهاد عن مباحاتٍ خوفًا كخوف عمر بن الخطاب رضي الله عنه {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا}، فلا يتنزل على الجميع في معاشهم، ولا يؤاخذون به في معادهم، إنْ لم يتوسلوا به إلى المفاسد، ومن رحمة الله في الثواب أن المباح إذا تُوُسِّلَ به إلى العبادة، أخذ حكمها.
لكنه لا يبرح السؤال إن جُهل الحكم، حذرا من حكمٍ آخر.
لكن أهل العلم والاجتهاد يتسامحون مع العوام في الإباحة المستنبطة، وإجادة الحلول الشرعية المتعددة للمسألة الواحدة للتوسعة على السائل والمستفتي، دون غمط الشرع أوالخلق.
أما المعنيُّ فعليه السؤال، و{شفاء العيِّ السؤال}، لجهله مواطن الأحكام، تجنبا لحرام أوشبهة بلا علم ولا استفتاء، فيقع في الندم.
صحيح أن المسلم ملزم بعدم السؤال عما لم يصدر حكمه، {دعها حتى تقع}، إن لم تحِنْ الحاجة إلى البيان، {لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}.
ولا يسأل عما تركه النبي صلى الله عليه وسلم عفوًا، {ذروني ما ترَكتُكم}.رواه مسلم عن أبي هريرة.
فقد يحرم لأجل مسألته {أعظمُ المسلمينَ في المسلمينَ جُرمًا من سألَ عمّا لم يُحرَّم فحُرِّمَ على الناسِ من أجلِ مسألتِهِ} رواه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص.
لكن بعد {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} استقرت الأحكام التشريعية الخمسة، وموروث النبي صلى الله عليه وسلم من غير إلزام فمباح على البراءة الأصلية.
أما الواردات الجديدة غير المتناهية، فتخصع لميزان الشرع والنظر في أحكامها بما تركته النصوص من قواعد وأصول ومقاصد اجتهاد واستنباط، ولا يقال فيها {دعها على البراءة الأصلية}، لأنها تنشأ بملابسات جديدة غير مطابقة لملابسات الفروع القديمة، فالبشير بن سعد رضي الله عنه لما سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن حكم العطية لابنه النعمان لم يتركه على مُدّعَى البراءة الأصلية، واستفسره عن ملابسات المسألة، ذكرها، فنهاه، والراغب في مراجعة طليقته نستفسره، ولا نعتمد على البراءة، فلعله في البينونة الصغرى أوالكبرى.
وهكذا كل المستجدات مما ليس في كتاب ولا سنة، لتنزيل الأحكام عليها، لأسلمة الواقع، ولذلك قال عمر رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري {الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك ما ليس في كتاب الله تعالى ولا سنة نبيه}، ولم يتركها على الإباحة.
فمستحدثات الحياة كثيرة جدا، ما نفكر فيه ونقترحه نحن المسلمين، وغيرنا، ومن العدل وضعها في ميزان الأحكام الخمسة، ودراسة كل مواصفاتها، وما تبين إباحته فذلك ما نبغي.
وبذا نكون قد جعلنا التشريع أصلا لا تبعا ولا مُبَرِّرًا.
أعتبر الإباحة القديمة كسبًا، والناتجة عن تفتيش المستجدات مكتسبة، لأنها وقعت وفقا لقواعد اجتهادية جديدة لا بالبساطة المعرفية.
بعض مؤسسات مشاريعَ تقترح مناصب استشارية مُعْلِمَةً بمرتبات عالية للتبرير التشريعي، فتصبح الإشارة بالإباحة استغلالا لا عفوا.
أوصي أهل العلم بالتزام الشخصية الاجتهادية الصارمة، وتحويل المشاريع الجديدة إلى مجرد أفراد اعتباريين عوام يسألون، لتُفَتَّشَ مسائلها باستقلالية عنها وعن السلطة السياسية والتنفيذية ثم الخروج بالنتيجة الفقهية الملزمة ولو كانت الإباحة، أما قدوم الفتوى صاغرة ملبية بعد استهلال المشاريع فعلمنةٌ للإسلام، عوض أسلمةِ العلمانية.
Tags:
شرعيات
