قرأت قديما للدكتور جمال الدين القاسمي كتاب (الفتوى في الإسلام)، ذكر فيه شرط معرفة الفقيه والمفتي بالناس وحيلهم ومكرهم ودهائهم.
ملخص كلامه ضرورة تحلي الإفتاء بأفراده ومجامعه بالوعي.
إن كثيرا من فقهائنا ومفتينا وكتبنا الفقهية تتناول المسائل الفقهية بحرفية جافة وتجزئات وتقسيمات وإحالات لتصدير الحلال والحرام بعيدة عن النظر الدقيق إلى الواقع، وحاجته إلى توعية وترغيب وترهيب وتشجيع وتحفيز وتخويف وتحذير مسند بنصوص شرعية، تحمل على التنفيذ بشيء من الإقناع العقلي والدثار الروحي.
ظني أن ذلك راجع إلى نقص كبير في وعي مصدرها نفسه.
إن الوعي المصاحب للمسائل الفقهية بأدلتها التفصيلية يحوطنا بمنافع علمية وروحية وعقلية وإنسانية.
إذا قرر علماؤنا ومنهم الأصوليون شمول الدلالة على المنصوص، وغير المنصوص، المتفق والمختلف فيه، فإن الوعي يعتبر مصدرا خفيا منشطا للعقل، ينقدح في نفوس مفتين، يتفاوت بين فردياتهم وضوحا وخفاء، تصريحا وتلميحا، قوة وتوسطا وضعفا في الإدلاء منه، تقليدا وتحررا، تمذهبا واستقلالا، ولاء للسلطان أوتحررا، قد يطيقون التعبير عنه، أولا يطيقون لقصور العبارة عنه، وإنما يفهمه الباحث أوالقارئ أوالمستفتي من خلال الإفادة منه في ثنايا التناول والاستدلال.
وإذا كانت مصادر العلوم الإسلامية زاخرة بالتنبيهات إلى عظيم تبعات والج ميدان الفتوى وتحذيره من القول بغير علم يحوي شروط المجتهد، توجيها للعامي والمتبع، فإن العالم نفسه معني بالتحذير من الاكتفاء بالأدلة الكلية أوالجزئية بعيدا عن الوعي بكل المقاييس المذكورة أعلاه في تناول المسائل.
وبهذا يمكن أن يجد المستفتي نفسه مزودا بمسائل فقهية أعانه عليها وعي مفتيه رسخها في قناعاته إضافة إلى الزاد الدلالي.
فإن فَعَّلْنَا الوعي كمصدر تشريعي تبعي، أمكننا محاصرة المتحاملين على الشريعة من الأعداء، والعلمانيين المناوئين لها غير المتفتحين على جميع الأفكار، وحجَّمْنا تطاولات المتشبِّعين من القصاصات والمطبوعات القصيرة والكتيبات، والمطويات، واستطعنا فرض عموم الشريعة وشمولها ووعيها بكل الواقع المحيط بها، وأبرزنا لأولي الألباب زخمها الكبير الذي يحمله أهل علم واعون.
من منافع اقتران الفتوى بالوعي، حسن النظر في مقاصد الشريعة، والسنن الربانية في الكون، والاطلاع على متغيرات العصر، اجتماعيا ونفسيا واقتصاديا وتكنولوجيا بما فيها وسائل الاتصال العالمية، والعولمة، وحسن تنزيل النصوص والأحكام الشرعية على الواقع، وحراسته بها، أوما نطيق اعتباره من ضرورات التجديد والتحديث في توظيف المعارف والعلوم، لتسجيل الحضور الدائم مع التحولات المتكررة والمتزامنة مع الحركة الإنسانية المتطورة بسرعات متضاعفة مرحليا، واختيار الخطاب الديني المتلائم مع هذه المتغيرات في ضوء شروط الاجتهاد والنقل.
ومن وعي المفتي تسمع عبارات المستفتي، وضوحا أوغموضا، طلاقة أوتلعثما، ليضعه عند الحد الشرعي لكل الاحتمالات.
لا يكتفي {كالمثال} بسماع تسليم أحدهم مبلغا لوالده وبعد مماته أراد استرجاعه ليقسم الباقي ميراثا، دون علمه إقراضا أوتمليكا، فيصيب الأحكام الشرعية باللمز والهمز، ولا يفتي في الدية بفقه حرفي بعيد عن توعية المستحق بأولوية ونصوص العفو الناصعة المحققة للتعايش على حساب التغالب والتحاقد.
لقد حاز النبي صلى الله عليه وسلم أرقى مقامات الوعي أمام تساؤلات الناس، يأتيه واهب لابنه فيسأله عن سائر ولده الآخرين، وبعد سماع الإجابة لم يكتف بمجرد المنع وإنما أضاف للواهب وعيا بأنه ظلم، {إني لا أشهد على جور}.
كما نسجل ذلك الرهب المصاحب للداخل على المحقق الأمني لما يعلم من فطنته ووعيه بالتلاعبات المختلفة في عالم المخالفات والإجرام، أريد للمفتي تدريب ذهنه عليه دون رعب، لئلا تستغفله حيل المشاغبين على الشريعة، ومعتبريه ساذجا يمكن استدراجه بأحكام مرادة، لسهو يهمل به الإحاطة بملابسات المسائل.
Tags:
شرعيات
