البحث العلمي يستفز استشعار ثراء الألفاظ اللغوية ومرادفاتها، لاستنباط تعريفاتها ومفاهيمها لمعالجة ظروف، كالحروب المختلفة، تغيب معارفها القبلية، أوتختلط، أويُكتشف خطأها.
من متصدرات المشاهد الإنسانية، اعتداءات السطو في أزمنة غابرة، والجهاد الإسلامي في عهد النبي ﷺ، فحروب الردة، فالخروج على الخليفة عثمان رضي الله عنه، فالثورات الجماهيرية والمسلحة كأوربا، أوضد الاستعمار.
وبالبعد الزمني والاستقرار السلطوي ولو باستبدادات، وغفلات جماهيرية، وطفرات تَدَيُّنِيَّة، كالداعية إلى طاعة ولي الأمر، وتحريم الخروج عليه، ووجوب الصبر، فبروز الصحوات الفلسطينية وانتفاضاتها، والمظاهرات الشعبية العربية التي تَحَوَّل بعضها إلى مواجهات مسلحة أطاح بعضها بأنظمة، ومزق بعضها أوطانا، كواقع ليبيا والسودان، انتهاء باجتياح قوة فصائل سورية متعددة مُوَحَّدة، لتحرير البلاد من آل الأسد.
تَوَارُدُ هذه الأحداث ونتائجها وتأثيراتها الدينية والسياسية والاجتماعية أنشأ تداخلاتٍ مفاهيميةً عميقةً، تعاكست أحكامها لدى الفئات النخبوية والعامية المختلفة الموافقة والمعارضة، وتوجيهاتها بإسقاطات حسب المناهج المتبعة، والقيم المعتقدة.
ولأن المصطلحات ليست عديمةَ الأثر، ولا شكليةَ الإطار، ترسم الصورة النمطية لحاملها، أوموظفها، بتصوره، أوبتصور غيره عنه، فيمكن أن نجد لها على الأقل ثلاثة احتضانات غالبا لا كليا:
1/الحضن الديني:
يجد قداسةً لمصطلح الجهاد، والخروج، باعتبارهما أسلوبيْ فرض المعروف، وقلع المنكر.
2/الحضن العلماني:
يفاخر بالمظاهرة والثورة.
3/الحضن السياسي:
يفضل مصطلحَيْ التمرد والانفصال.
وقد يشترك فيه مع الحضن الديني، إذا عبر عن الإفساد في الأرض والضرار.
بعض الإسلاميين يستبعد بعض المصطلحات لمخالفتها القيم المحمولة والمتبعة والمرسومة واقعا أووهما.
وبعضهم يستر مصطلحات يؤمن بها، خشية اصطدام مع ولي الأمر.
وغيرهم يتحاشاها خوفا من مصداقية دينية تقضي على وجودهم أوتحدث لهم انكماشا شعبيا.
وبهذه المحمولات المتعاكسة يحدث خطأ تنزيل الأحكام على الوقائع.
قد تتعارض هذه التقاسيم مع النظرة الشكلية السطحية.
فالتصنيفات والأحكام بالتطرف والاعتدال، نتائج تصورات، صوابا أوخطأ.
فالجهاد مثلاً هو اصطلاحا (بذل المسلمين وسع قتال الكفار المعاندين المحاربين، والمرتدين، والبغاة ونحوهم، لإعلاء كلمة الله تعالى تعبدا):
1/ حامله يقدسه بما يجلب الإقدام للنصر كان في إطاره الصحيح، أم لا، لكن العلم بأثره الروحي يفرض استخدامه، ولو بلا إيمان به، لنيل القيادة أغراضا مستهدفة.
يحكي الإمام أبو الأعلى المودودي عن توزيع قيادات حروب في بلاد عربية وإسلامية كثيرة مصطلحه بين المقاتلين لسكب العواطف في قالبه لضمان نهاية مطاف قتالي سعيدة، لأن توظيف غيره يرهل الشحنة العاطفية، والشدة الروحية.
2/ غيره يتجنبه خشية انقلابه عليه تقديرا لعقول الآخرين.
ففي ليبيا مثلا، ينبغي تحديد الوقائع وآثارها الشرعية، فهي:
1/ اقتتال بين طائفتيْ مؤمنين بأحكامه في طبيعة القتلى، والملتقين بسلاحهم، بين الجنة والنار، والأسر قبولا أورفضا.
2/ أوجهاد لتحديد فئة المؤمنين والكافرين.
3/ أودفع صائل، لتحديد المتمرد، وتنزيل أحكام (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا....).
ووضع سوريا، إما جهاد، أوتمرد، أوفرض المعروف، ومنع المنكر، أواقتتال داخلي، أوثورة على حاكم فاسد، أواجتياح.
وموقعة غزة، ينزل عليها الموافقون مكانة الجهاد، والمخالفون على ضربين:
1/ غير الإسلاميين يستبعدونه، لقيم خاصة.
2/ أتباع ولي الأمر ينفونه، لأنه لم يبدر منه.
فتحديد الأحكام الشرعية وتطبيقاتها التلقائية أوالقضائية يستمد من الألفاظ الاصطلاحية للنزاعات البشرية المسلحة بالخصوص:
1/ لِتَعَمُّقِ غورها، وتجاوز شكليتها.
2/ لتحديد طبيعة المقاصد الدافعة، والسلوكات المرافقة، والمآلات المتوقعة، والأحكام المنزلة على الكل.
فقياسه يُوَجِّه النظرة إلى الأسرى والمدنيين، ومفاوضات إنهاء القتال، والعلاقة البَعْدِية تطبيعا، أومفارقة، أوتوترا، بسبب اختلاف تصور المصطلحات.
أوصي بهذا الضبط، حتى لا يُولَجَ بعواطف مُغَرِّرَة، أوعقول جافية، ولنا عبرة من موضوع دلالات الألفاظ على الأحكام في أصول الفقه.
Tags:
إسلاميات
