العالم الإسلامي تحكمه النوازل المهيَّئة فيه بغفلة في غمرة الطفرات، وفي العقول تضييقا وتوسيعا، فتتخبط نظراتها أومواقفها، جلبا أودفعا، إقرارا أوتبريرا، قد تكون أسبابها سوءَ أوانعدامَ قراءة التاريخ والواقع. يُستخدم الدين بإثارات دورية اعترافا بقوته الروحية، ومصداقيته الاجتماعية، بما ييسر سَوْقَ الشعوب نحو المراد المغلف به، ولو اقتيدت للاستقامة به لكان أحسن للسلم العالمي والتعايش البشري، والتعارف الإنساني، والرقي الحضاري، لكنه يعاني تنكرا لفضله. حورب لإنهاك قواه وثنيه عن المضيّ في تعميم رحمته على شعوب الشرق والغرب، ولا غرو فإن معتاد استغلال الإنسان واستعباده والاستبداد بمصيره يعسر عليه الامتثال للنظام والعفاف والحريات التي يمنحها للإنسانية، ويرفض رفع يده عن بطشة الاستعلاء. استُخدم لغير ما جاء به، فرُفع الصليب شعارا للاستيلاء على أراضي الغير تحت رايته، واختار بيت المقدس لمناسبتها الدينية مع غزوه. الاستغفال والالتزام به لا يستويان، فغلب الامتثالُ الاستخدامَ، وطرد المسلمون النصارى من القدس. لكن الغرب تفطن لطرق توظيفية جديدة: 1/بجعله بعبعا مخيفا يُلَمِّع كل التحركات استهدافا للهيمنة السياسية والمادية كالبترول والغاز والذهب والمياه الإقليمية ومواطن النفوذ، لذلك يناور بين إضعافه والتوسل به، كحجر شطرنج وَزَّانٍ في مفاوز التوغل. فقد استطاع صناعة جماعات إرهابية قتالية سُنّية للتواجد في مناطقها وتذرعا بمحاربة الإرهاب، ولتوزيع جيوشه في مناطق الثروة كإفريقيا والعراق، وإقناع وإلزام الأنظمة بضرورة حماية مصالحه، أما الشعوب فتُوهَم بحماية الإنسانية الضعيفة، لتتقبل ولا تقاوم، رضًا بحمايته الظاهرة، أوتتماهى الأنظمة مع نهمه الاستثماري الاستعماري الاستخباراتي على أراضيها تجنبا للمُضَارَّة بالجماعات الإرهابية المصنوعة في المخابر الغربية، والأدلة في مالي قبل وبعد طرد فرنسا ماثلة. والنتيجة التحكم في مواقع الثروة، وإلقاء السببية على الإسلام للترخص بحربه. والملاحِظ يفهم دواعي الإبقاء على جاهزيتها العالمية والمنسوبة إلى الإسلام، والاكتفاء بضربات مدروسة للوصول إلى المناطق المستهدفة حذرا من القضاء عليها صونا لأسباب الهيمنة. 2/وصنع التطرف الفكري الديني للتغلغل في الأوساط الشعبية أمنيا ومخابراتيا كنموذج المدخلية والجامية والوهابية والسلفية المتشددة، تتحكم فيها حبال المد والجزر، بما انطلى على نخبة الطبقة المثقفة بصراعها مع الستار الأحمر الظاهر، يخفَى عليها المحرِّك الغربي الخلفي. في مشاكسات مع طفولات فكرية تجهل هي كذلك المُمْسك بالجلابيب خلفها، فتضيع الجهود والأوقات عوض احتضانها رسميا وثقافيا وعلميا لسحب البساط منه ومن عملائه، لانحسار مجال تأثيره، وكشفه في ساحة الفضح، لتوفر الطاقات على نفسها الحجم العلمي والاستدلالي ووقته وجهده. 3/ولأن الظاهر متماثل استطاع الغرب ترويضَ دين شيعي آخر احتياطا لاستيقاظ أهل السنة من سبات الغفلة والتطرف والولاءات الخاطئة، وربطَ الأحداث به، خاصة بعد النجاح في تنصيب دولة فارسية تحميه وتمد بالإمكانات والأسلحة كل موالٍ لها دينيا، لتُسَوِّق لمصالحها به، و(تحرير القدس)، و(أمريكا الشيطان الأكبر) هي الستائر المشروعة لتدمير اليمن، والعراق، وسوريا، ولبنان، نيابة عن أمريكا وأوربا المتعامليْن مع الظاهرة الدينية الشيعية بأساليب مدروسة دقيقة تَحَفُظِيَّة حذرا من القضاء عليها وعلى التحرك الميداني في المنطقة، صيانة لتوازن مصالحه، لأن ضمان تمدده المراقب تضييق على العملاق السني النائم. إن الغرب لا ينغِّص راحتَه الشعاراتُ، والتهديداتُ بالرد على تحركات الاحتلال أواغتيال الشخصيات كإسماعيل هنية، لأنه ضمن ولاء الأنظمة الوظيفية السنية، وحيَّد نظام الملالي، وكبَّل فئة معتبرة من الإسلاميين بحبل التأثير الديني الفارسي والولاء الغبي لخصم تخفى عليهم حقيقته، بفتات أسلحة وتدريبات فلسطينية ثمنا لمجده، مراقبة بالتغلغل المعترف به، سيتأخر انتباهها إلى الحقيقة، لإعادة تشكيل الوعي، ووسائل النصر بجهد ووقت، وإن غدا لناظره لقريب.
Tags:
سياسة
