الصراعات الإنسانية والإشارات العَالِمِيَّة

حروب الإنسانية عموما والمسلمين خصوصا يحكي التاريخ منها الكثير، وهي متكررة بينهم، حققت مصالح، كتحرير الأوطان والإنسان من الاستبداد والاستعمار، وإعادة حق الشورى للأمة، ومنافع أخرى رجحت على المفاسد التبعية.
كان يحسن بعلمائنا الموثوقين امتهان الفصل الشرعي في الاعتلاجات الشعبية أوالحكومية أوالفصائلية، مقصديًّا، حتى تخضع الأحداث وجزئياتها للضوابط الدقيقة، والأحكام الشرعية، لكن:
1/ المتنازعون:
لا يلجأون غالبا إلى أهل العلم لاستشارات دقيقة، قبل اندلاع النزاعات، خشية مضادَّة أحكامهم لمراداتهم، فيَحِل التبرير بحماقات وأهواء سياسية.
لم يستبِقوا رفعَ الأسلحة بالتقييد والضبط الشرعي وتقدير الموازنات الاجتهادية بين المنافع المرادة والمفاسد المقدرة، للدفع بالعملية، أوتعطيلها، بناء على الراجح المُستشرَف بغلبة ظن اجتهادي، بسبب:
أ) تحرج الكثيرين من المبادرة إلى الإشارة.
ب) التخوف من السلطان وسطوته.
ج) نزعة الترفع عن هيئات وأفراد وقضايا.
د) قِصَر الإلمام بملابسات مؤثرة في المشاهد والاستشارات، بسبب الإغراق في التخصصات، وتقليص مستوى الوعي خارجَها.
أ) فالمنفعلون العاطفيون:
أحلوا دماء زعماء وساءت العواقب، كالنموذج الليبي.
همهم الإجهاز الشرعي على المعارضين، وإلصاق تهم الأنظمة بهم، وإبراز المفاسد، دون المنافع ولو رجحت، دون ردع الحكام لكبح استبدادهم، كالواقع في سوريا منذ 2011م إلى بدايات التحرير.
لا يُلتفت إلى مقاصد الشريعة ولا قيمها ولا أحكامها إلا بقدر موافقة السلوكات لتبرير مصداقياتها قبالة الخصوم والناصحين.
كلٌّ من الموالين والخارجين يرى رجحان نظره للمنطلقات والمسالك والأهداف.
يجتهد القليل وينظر ويستدل ويعلل ويقارن باستقلالية علمه الشرعي، عن الأفراد والأسر والمجتمعات والحكومات، يحكم لهم أوعليهم جميعا.
ولو طرحنا الموضوع على المهتمين بالشأن الوطني في كل قطر لوجدنا:
1/ اللادينيين:
ولو كانوا مسلمين بالاسم فقط، يتبنون الثورات السلمية والمسلحة بعيدا عن تقديرات الشرع، راجين التحرر من الاستبداد وابتغاء الانتخابات وغيرها، دون النظر إلى المآلات الحسنة أوالسيئة، لأن القيادات تضع العوام في الصفوف الأمامية، وهي تخطط من الخلف، ولو خارج البلدان، لا تشعر بالقتلى والجرحى والمطرودين والمشردين والمسجونين.
2/ الدينيين:
بعلمائهم وعوامهم، اعتادوا النعيم والحظوات، ينظرون بنصوص مبتورة وغير مجموعة ليصلوا بها إلى تحريم الخروج على السلطان مطلقا دون قيود، درء للفتنة، رغم احتمال الفتنة في الدين ببقائه، (والفتنة أشد من القتل)، وإذا حدث دون إذنهم، بايعوا الحاكم الجديد وأوجبوا طاعته ولو بالتغلب، مخالفين منهجهم الذي يفرض سد الذريعة وعدم الاعتراف به، سلبا للشرعية والمصداقية منه، وردعا لغيره.
لا يفرقون في النصوص بين أمير الحرب، وولي الأمر الذي تحكمه قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعواقبهما.
ولا بين الصبر الفردي والحق الجماعي.
ب) غير الموالين للسلطان:
المخالفين لسابقيهم، لا نعلم تنسيقا شرعيا بين الثوار والعلماء (نموذج ليبيا وسوريا)، لوضع النقاط الشرعية على الحروف الانتفاضية، ولو بالبحوث الجماعية الدقيقة (نموذج التشاور الأمريكي لإسقاط صدام)، تطرح فيها الأسباب والدواعي والوسائل والأساليب والمقاصد والعوائق والتحديات، ومقارنة القيم قبل وبعد، وتدقيق الإيلام في الدين والأنفس والأعراض والأموال والسياسة والاقتصاد، والاستقلالية عن تقاطعات المجتمع الدولي، بعناية، تحت الأضواء الشرعية، ثم الإقدام، لرجحان المنافع على المفاسد، ظنا أويقينا، لا أهواء أوتسرعات، أوالإحجام لرجحان المفاسد على المنافع ظنا أويقينا، لا جبنا.
وهذا الذي يجعل بعض التحركات ضد الأنظمة أوالاستعمار إذا حالفها النجاح تنسبه لنفسها، لأن العلماء ما استشيروا ولا أشاروا.
تحرير سوريا اكتمل الآن، وكلنا سرور به، نرجو وصوله إلى استقلالية حقيقية، لكن النتائج إن وافقت الضوابط الشرعية دون أهل العلم، فبحظ حسن، وإلا فبحظ سيء، والأمر على هذا الشكل ليس معصوما، لعدم مراعاته المقاصد والقيم.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم