المغالبة الإنسانية سنة ربانية كونية، بدأت بقتل ابن آدم أخاه، إلى استحالتها حروبا جماعية تقابلية.
ولا يُنكر استهدافُ مقاصد بها، لكنها قبل الإسلام كانت اعتباطية، تُبتغى فجأة فتستجلب الحرب، وقد تظهر معالمها أثناء المعارك، كحروب السطو على الممتلكات العشائرية للكساء والغذاء، ثم تلوح أغراض أخرى تتحول المعركة إلى تحقيقها.
أما بعد استقرار أمر التشريع الإسلامي فأصبحت الحروب استثناء لا أصلا، تستقطب مقاصد مرسومة بدقة قيمية قواعدية متعددة دائمة، تستهلك مقصد حفظ الكليات الخمس الضرورية وغيره.
وأول ما بدئت به الحرب في الإسلام تميزها بنمطية الوحي، لأن حضور النبي ﷺ وقيادته لها أكسبها الطابع القواعدي والعصمة، سواء ما بينه القرآن الكريم، أوسُنته ﷺ قبلها أوأثناء التحضير لها، ما جعلها أساس القياس بعده، للاقتداء بها أوالدوران في فلكها، تجنبا لسياقات الأهواء والحَمِيَّات الجاهلية، لأنها إنفاق للأموال، وتحضير للعتاد والمعنويات، وتدقيق في المآلات ولو بغلبة الظن، وأثناءها إزهاق للأرواح، ودمار وهدم وحرق، وربما انتقامات ومبالغات في التقتيل والتمثيل والصور المفزعة.
لا يجوز شرعا الدخول في حرب دون مقاصد مشروعة واضحة حقيقية قابلة للوصول والقياس.
ودارسها بتمعن يجدها معالم تنقدح في ذهن المعصوم ﷺ كالكتاب المدون، دون تصريح، تماما كالقواعد الفقهية والأصولية المتوصل بها منهجيا إلى استنباط الأحكام دون إفصاح عنها، وقبل تدوينها.
قد يعترض البعض بأنها كانت كذلك عند غير المسلمين قبلُ وبعدُ، لكن الكاشف عن الفرق يكمن في أهم شيء وهو، دوامها، وموافقتها للفطرة، والمنطق، والاطراد، ومراعاة الإنسانية عند المسلمين، أما عند غيرهم فالتوقيت، والمخالفة للفطرة والمنطق، والتعاكس، والهمجية الحيوانية.
ولا غرو إن راعت آدابها تحقيق مقصد مهم هو الدعوة إلى الإسلام، وتلميع صورته حقيقة لا افتراء، أثناءها، وبعدها، كالنموذج الإسلامي في التعامل مع القتيل بعد الإجهاز عليه، والأسير برعايته، وعدم قتله، أوتعذيبه، والبحث السريع عن سبل الإفراج عنه، وفي مقاصدها الأخرى، المنصوص عليها وغيرها، كالتمكين للدين (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله)، وإنقاذ البشرية من الفتن الدينية والاجتماعية (والفتنة أشد من القتل)، ومن الاستبداد، وتأمين الدعوة إليه، وافتكاك أقصى حدود الحرية، ليقابل العقلُ العقلَ، والعلمُ العلمَ، والاعتقادُ الاعتقادَ، وإلا فالعنف يرد العنف، والإشعار بشخصية الكيان الإسلامي، كبعث سرايا الاستطلاع، والدفاع عن المستضعفين كالدفاع عن خزاعة، واختبار مكانة الدين عند أهله، بالتضحية لأجله من عدمها، وبيان حماية القوة للحق، عوض الاقتصار على الأدبيات، وإبراز مكانة الشورى بتوظيفها في أعسر الظروف، فمن باب أولى حالات السلم واليسر.
إن مقاصد الحرب في الإسلام تستحق أن تصاغ كقواعد تحفظها أجيال المجاهدين في الإسلام لتيسير وضعها معالم مستهدفة ومرشدة، ومن ثم الإعداد لها، والوصول إليها.
وهي برهان على أن الإسلام ليس دين شعائر تعبدية روحية فقط يكتفي بها القاعدون من الكسالى، والطرق الصوفية، وبعض فرق السلفية، ويتهمه بها اللادينيون من غير المسلمين، أومنتحلي اسم الإسلام.
وهي دليل على أن الإسلام نظام حياة قائم بأحكامه وحدوده وقواعده، منها المدونة بشكل واضح، ومنها ما لم يُستخرج من بطون أمهات التصانيف في السيرة والفقه.
لكن الواعين من خصوم الإسلام، العارفين بهذه الحقائق يدفعون عنه صفة النظام إبعادا للمصداقية المتغلبة على نظمهم وأفكارهم.
أوصي مستشاري الحكومات في البلاد الإسلامية بتدوينها كقواعد وأسس تتوارثها أجيال الحكام والجيوش، لتحقيق ثلاثة مقاصد على الأقل، وهي:
1/تحري العدل، لأن تجاوز آدابها، وضروراتها ظلم منذر بالخراب والهزيمة، فالله تعالى لا ينصر الظالم أثناء المعركة، ولو جاهد في سبيله، ولنا قول النبي ﷺ(اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد) في فتح مكة نموذج.
2/تحويل الحرب العادلة إلى دعوة، لا إلى تنفير.
3/إبراز معالم العز والإباء، وعلو الإسلام على غيره، لأن بعض المستلبين يريدون من الإسلام السلوك السلمي المذل، لا فسحة العز والمجد.
Tags:
شرعيات
