أسباب مخالفات فقهية

الجزء الأول:
صدَّرت الموضوع بهذا العنوان لسببين:
1/ إدراج لفظة مخالفات رغم حقيقة التقدير أنها انحرافات تفسيرية وتأويلية لنصوص كثيرة، احتراما لساداتنا الفقهاء والعلماء، دون انتقادهم، لأننا نتمنى أنفسنا شعرات في صدورهم.
2/ ملاحظة معاملات علمية وفقهية مع نصوص وأحكامها ربما للمُوَرِد منها أعذاره المعرفية.
إن الفقه الشرعي علم ثري جدا، غائرة فيه كنوزه، متشعبة منافعه، ولذلك عُرِفَ بأنه العلم بالأحكام الشرعية العملية المستنبطة من أدلتها التفصيلية، رغم أنه في اللغة يُكْتَفَى بمطلق الفهم وربما هو ما استدرج العلماء وطلبة العلم نحو الاشتغال به أكثر من العلوم الشرعية الأخرى لعلاقته بالحياة العملية الشرعية للمكونات الاجتماعية.
بعض الغَوْرِ فيه زحزح خبراءه عن ضبطيات أصول الفقه وأوقع استنباطاتهم خارج قواعدها أحيانا كثيرة، رغم تأسيسه عليها، ليغوصوا في تصدعات فروعه احتياجا أوسهوا، وهو ما يَجُرُّ الفقهاء نحو مزالق تفصيلية تُذهب بساطته من زمن إلى آخر، بسبب هواية الاستنباط عند البعض لا الكل.
لقد كان الفقه الإسلامي على عهد النبي ﷺ بسيطا علما ومعرفة وتطبيقا، لكنه تشعَّب عند أول منعرج وهو التعامل مع المتمردين على الزكاة، حين صدر فهم أبي بكر مخالفا لفهم عمر رضي الله عنهما، ثم تتالت المصارف الفقهية كالمصارف المائية في الأنهار، قد يرجع إلى أسباب:
1/ النفاذ العلمي إلى عواطف ووجدانات أهل العلم وطلبته، فانغمسوا فيه بملء أذهانهم، وتشكلت لهم علاقات حميمية معه أصبحت أرديتَهم الملازمة، والقاعد لشيء فريد يتصنع ليبدع فيه فلا يسلم من إفراطات.
2/ تَكَوُّنُ الهواية العقلية للبعض وَرَّطَ في مبالغات استنباطية أصبحوا يرون بها أعماقا في النصوص يستهدفون بها التطلع إلى أسرارها بمكاشفات عنوانها الفقه.
3/ الحاجات الاجتماعية الملحة على اعتصار النصوص وأحكامها، للبحث عن المخارج الضرورية لها والمُبَطَّنة بالطلاء العلمي ولو بدون استدلال إلا الاستدلال العقلي.
4/ المبالغة في استخدام التعليلات ولو لم يصلح بعضها.
5/ تحميل بعض قواعد اللغة وأدبياتها ما لا تحتمل، وتجنب بساطة دلالاتها.
6/ توهم مقاصد كلية لمسائل جزئية لها مقاصدها الجزئية.
7/ استخراج المستخرج، وإفلات الفروع الفقهية من القواعد الأصولية والأدلة النقلية إن لم تتعلق بالمعاملات.
8/ التوهم المفرط لمقاصد غير واقعية ولا حقيقية، بلا دليل عليها.
9/ التعصب المذهبي القديم، فقد يطنب هذا في استنباط مبررات حكم مذهبه للتصديق عليه قبالة مُحَاوِرٍ مذهبي آخر، فتخرج المسألة عن أصولها الاستدلالية حتى آلت المذاهب قديما الى أديان في أجيال، أكثرت من الحواشي على المصنفات، والحواشي على الحواشي، ليقترب الفقه إلى روايات أكثر منه علما، وأصبحت في تلك الحقبة للعلماء أحكام بدل أن تكون للإسلام وفقهه، ولهم عمومات وتخصيصات، وإطلاقات وتقييدات، ومجملات ومبينات، وطلاسم تشرح، وتعقيدات تفكك، فأضحى تخمة شرحية نظرية، أبعد عن الواقعية العملية.
10/ النائي عن الاستمداد من الأدلة خاصة النقلية، ولو انبرى كل فقيه لشرح أحاديث الأحكام والاستنباط منها، والجمع بين دلالاتها ودلالات القرآن، كما نشط لذلك المفسرون، وعلماء العقيدة لتجملت دنيا التأليف بتصانيف مصدرة من الأصول النقلية، عوض الشروح على الشروح، وإن كنا لا ننكر بعضا منه، كفعل الزرقاني والصنعاني والشوكاني وابن دقيق العيد وغيرهم.
11/ توقعات التوقعات، فعوض توقع إرادة النص ولو بالاختلاف في بيانه، ذهب البعض إلى توقع إرادة المصنف كالمتن بعدة شروح، ثم التماس مقاصد الشارحين عوض المقاصد الشرعية الأصلية، فتحدث مبالغات للمخالفات تنفلت من أغراض الأدلة الأصلية في بيانها للإنسانية هدي الله لها ورحمته بها.
أكتفي بهذه الأسباب الكلية تمثيلا لا حصرا، لأتناول بيانها بالأسباب الجزئية كعناوين مع التمثيل في الجزء الآتي الأسبوع القادم بحول الله.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم