الخوض في مقاصد الشريعة ليس ممنوحا لكل أحد، لأنها صنعة، والنظر فيها خاتمة البحث الاجتهادي والإفتائي والأصولي للتوجيه والتقويم.
إنها معالم وحكم، الألواح الموضوعة لقذفات رصاص المتدربين معالم على دقة الرمي وحسن إمساك السلاح أوالعكس، فالمقاصد موضوعة شرعا معالم على صواب الأحكام الاجتهادية بفهم النصوص الظنية أوتوظيف المصادر التبعية، وعلى تمرس الفقيه والأصولي وحاسته وقريحته العلمية أوالعكس، وهي حكم للأحكام المنصوص عليها علمت أوجهلت. فلا ضرورة للنظر إليها مع النصوص قطعية الدلالة، ولا مع الإجماع المقوي للنصوص ظنية الدلالة، ولا يتوقف الحكم وتنفيذه عليها طردا ولا عكسا، لأنها ستؤول إلى حكم للاستئناس، فالنص أوالإجماع المقوي للنصوص الظنية مستقلان عنها، إذا علمت فزيادة نفع، وإلا فالحكم وتنفيذه ماضيان مقضيان، كنصوص وجوب الصلاة والزكاة والصيام وعدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها، وتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة وغيرها. وقد تعرف حكمها ليس بالمفهوم التقويمي للفتوى فهما أواجتهادا ولو بإجماع ترفعه قوته إلى رتبة النص. يستأنس بالمقصد الحقيقي حكمة فقط مع النصوص القطعية لأنها مقدمة عليه، ولا تعطل لأجله، فجهلنا للمقصد من الحج، أوالجهاد، أوتعدد الزوجات، أومقادير المواريث، لا يؤجل أحكامها، لهذا لا يؤثر وجودها أوانعدامها، أوالعلم أوالجهل بها في نفاذ الحكم. المقاصد يجب أن تكون حقيقية واقعية قابلة للاستهداف الشرعي لا وهمية متخيلة، وتقدر بحيادية لصالح الأحكام الشرعية لا انحيازية لموافقة أهواء وأمزجة، والتي تسمى مقاصد العباد كما بينها الإمام الشاطبي، فادعاء حرية الإنسان مقابل نصوص الإلزام بالصيام والكفارات والزكاة، أوحقه في بدنه مقابل نصوص عقوبة السارق والصائل والسكران والقاذف، مقصدان وهميان. المقاصد يقدرها العلماء المجتهدون بناء على استقراءات نصوص وأحكام الشريعة. قد يؤجل تنفيذ الحكم لمقصد إضافي، فقوله تعالى (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)179/البقرة، بيان لمقصد القصاص، أما استتباب الأمن بعد هيجان الناس أوانتقام جماعات إجرامية، واختيار الوقت المناسب لتنفيذه فمقصد كمعلم، كما فعل علي ثم معاوية رضي الله عنهما مع قاتلي عثمان رضي الله عنه. وتكون معالم ضابطة للأحكام المستنبطة بفهم ظنيات النصوص، والاجتهاد، خاصة في مواطن الخلاف القوي الشديد، فتكون مراعاة كل مجتهد لها ظنية، أما إذا حدث حولها إجماع فتكون معالم أوحكما حسب قطعية أوظنية الأحكام. كالخلاف في: 1/ اعتبار القروء أطهارا أوحيضات، وقد يراعي المختلفون مقصدا متوافقا، كإطالة زمن العدة للمراجعة، أوبراءة الرحم للمبتوتة، لكن يختلفون في تحققه بأحدهما. 2/ اعتبار زكاة الفطر بالإطعام لمقصد طعمة المحتاج، أوبالقيمة لمقصد التيسير على المزكي، والمتلقي تجنبا لتكديس الأطعمة عنده وفسادها، فتذهب حكمة النص الشرعي. 3/ اعتبار التحريم طلاقا لمقصد الردع، أومجرد يمين تكفر لمقصد جمع شمل الأسرة. 4/ تقدير فدية الصيام بصاع لمقصد الفدية نفسها، أوبوجبة غذائية متوسطة، لمقصد الإشباع المريح. النظر يشمل المقاصد الموافقة والمخالفة، فالاقتصار على الموافقة وإغفال المخالفة خطر تشريعي يوهن الأحكام المرادة والمبررة. ولا تحصر في الكليات الخمس، لأنها مصالح ضرورية لمقصد واحد فقط، فالتخفيف، والتوبة، والتيسير، ومنافع الحج، مقاصد أخرى: (يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا)28/النساء. (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ)27/النساء. (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ)185/البقرة. (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ)28/الحج. تمرس الباحث وطالب العلم يظهره التعامل مع المقاصد الجزئية لدقتها، لا مع العامة (تحقيق مصالح العباد بجلب المنافع ودرء المفاسد). ترتيبها يخضع لموازنات مآلية، فلا يكون حفظ الدين دائما أولى من غيره، فقد يسبقه حفظ النفس لأجله، وصيانة العرض أولى من نفسي الزاني والقاذف، وهذا يقدره أهل العلم الخبيرون بهذا الفن. لابد أن تحمى المقاصد من: 1/ كثرة التوظيف المزاجي. 2/ استخدام المتطرفين والمتهاونين. 3/ تبرير المذهبيين والإنحلاليين. 4/ تطاول الجاهلين. إن ارتبط اعتبارها بكل متعلقات البشر، فلا يتعاورها الناس كل يوظفها كيف شاء.
Tags:
شرعيات
