طوفان الأقصى والتوظيفات المستثمِرة

طوفان الأقصى حاصره محيطه إنسانيا وسياسيا واقتصاديا ومذهبيا وغيرها، وتعاظمت المؤثرات فيه مع الزمن.
ومنها اللامواقف التي ترقبه من بعيد، وقد تعلم مكامن الحق والباطل، الصواب والخطأ، الاستكبار والاستضعاف، لكن عاطفتها مع المظلومين، وهلعها فوق رأس هرم بمسافتين متساويتين مع زاويتي الظالم والمظلوم، خشية الحرج النفسي والشخصي وانقلاب الأوضاع، لتكسب ود المعتدى عليه، وتأمن انتقام المعتدي.
هذه الأمزجة أنواع، أفرادٌ، أسرٌ، مجتمعاتٌ، حكوماتٌ.
فقد يفضلها سلوكا، ويرقى عنها ثقافيا، ويحدق أحسن منها نظرا، من أدلى برأيه ولو بخطأ المظلوم.
أعتبر إبداء المداخلة موقفهم تقليدا لمتبوعيهم طبيعيا، لمنحنا نقاشَهم، وربما إقناعَهم، أفضل من الساكتين المُسِرِّين، ضمانا للسلامة من الجميع، وأمن بطش الباطل، واغتنام طيبة الحق.
ولو كان هذا حدا، وترك الفاعلون سياسيا وعسكريا لشأنهم قبالة العدو متحررين لهان الخطب.
لكنه آلَ كمشهد الفريسة بين مخالب السباع، تترصدها الذئاب، والثعالب، والضباع، والغربان، والصقور، للنيل من الواقعة رفقة الأسود أوبعد شبعها وهجران فضلاتها.
والطبيعة العادلة تقضي باحترام الفاعل إلا للإصلاح أونصرة المظلوم، أما استغلال الحدث لصالح أطراف لم تشارك فيه، طلبا للغنائم المتعددة، كسائر ذوات الأنياب التي وفرت لنفسها الشهيق والزفير والجري والإنعطاف للإيقاع بالطريدة ثم تريد الشبع منها بلا جهد.
هؤلاء كالمنافقين المذكورين في القرآن (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ) 141/ النساء.
(سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ) 15/ الفتح.
هذا الحادث للطوفان، يتناهشه متفرجون قريبون، وبعيدون، كالمملكة المغربية والمتصارعون الليبيون والسودانيون، وممن شغلتهم شؤونهم الداخلية عن الاكتراث له، وموظفون، منهم:
1/ الإعلام:
بشتى وسائله لاستغلال مشهد الدمار، القتلى، المقطعين، اليتامى، الثكالى، المفقودين، الأرامل، الصارخين، في الترويج لصفحاتهم وجرائدهم وقنواتهم، مضاعفة للقراءات والمشاهدات والمصداقيات، والكسب المادي، بلا تصميم مشروع تكريمي بشيء من عائداتها للضحايا، واجبا لا نافلة، يشبهون تماما الواقف على قبر غيره ليعلو فيظهر شامخ القامة أما الجنائزيين.
2/ حركة فتح:
أفرحها الطوفان ليس لتحرير فلسطين وندية القسام، وإنما لتبرير السطو على غزة، وتتمنى انتصار العدو لتمهيد الطريق نحو اختلاسها تصفية حماس منها.
ومن دلائله الدفع بعملاء بعد توقيف القتال لإثارة شغب يرفع مطلب رحيل حماس.
3/ حكومات الطوق:
لإثبات الولاء للعدو، بـ:
أ) التموين الغذائي.
ب) التعاون الأمني التجسسي، انكشف بدلالة عناصر على مواقع قيادات غزية تمت تصفيتها.
ت) فتح الممرات في أراضيها نحو المناطق المحتلة.
ث) المبادرات الضاغطة على الفلسطينيين للقبول بأنصاف الحلول، لجلب مصداقيات شعبية عربية ومسلمة ضائعة.
4/ الشيعة:
وعلى رأسهم إيران بأذرعها كالحزب اللبناني، والحوثيين، لاستئناف صراع الفرس والروم، لا لتحرير الأقصى، وإنما لإيلام الغرب عبر وكيلهم، متخذين الطوفان مربط الذريعة، واضعينه في فوهة مدافع حزب الله والحوثيين، أما كلامهم المعسول فخطابات الذئاب قرب فرائس السباع.
5/ أمريكا:
المتحججة به، كما وظفت خطأ صدام حسين بعد كشفه الأسلحة المُحَدَّثَةِ، لبسط هيمنتها على العالم والمسلمين بالخصوص، والكيان عرَّابها، فتم إمداده بكل الأسلحة، تجنبا لإنهاكها بهزمه، ومظاهره التدخل المباشر لوقف الحرب، ثم الأوامر المتتالية على الجميع بتنفيذ مراداتها، تهجيرا، واستثمارا في التعمير، ووصاية على المفاوضات، للاستفراد بمكتسبات اقتصادية وسياسية انتزعتها من أمنيات حكومات عربية كقطر ومصر.
لسان حالها قائل: نحن الآمرون الناهون.
لقد اتُّخِذَ الفلسطينيون لقماتٍ سائغةً في مأدبات اللئام، والتدخلات المغتنمة أحرجت السير، وأَدْخَنَتْ الحرب، ولو تُرِكوا لمصيرهم لأرانا الله منهم بأسًا أشدَّ تَقِرُّ به أفئدتنا.
لكن لعل هذه التوظيفات فضائح للتمحيص، ليذر الله بها الغثاء، والزبد الجفاء، ويُثَبِتَ ما ينفع الناس على بطحاء الحق
.

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم