طوفان الأقصى والسرديات الاستعمارية

أعتبر العالم إزاء فلسطين منقسما إلى شطر عميل للاحتلال وهو طرف استعماري ممثلا في حكومات عربية وغربية، وشطر مستضعف، نال على الأقل شرف الإباء برفض اغتصاب أرض بغير حق.
فالاستعمار استبداد، لقد أغرى نابليون المصريين بالحضارة، لكنه تحول إلى مستبد بعد احتلال مصر مباشرة.
لكنه يجد ضرورة تلميع صورته، وتسويد صور مقاومي إفساده واستبداده، كما فعلت الآلة الإعلامية القرشية الدعائية والشعرية ضد المسلمين.
لكنها آلة متقلبة تمدح اليوم لتذم غدا بمجرد تصحيح المستضعفين بوصلاتهم.
فليس بدعا أن يتخذ منها الاستعمار الغربي ووكيله المحتل درعا قوية ومادة تبريرية وتسويدية بكل الأوصاف المُجَرِّمَة للمقاومين.
إن السرديات العدوانية قديما أبهرت الأذهان أمام الضعف الشديد للإعلام المُنَبِّه، أهال عليها تغييبا مذهلا عن الإبادة الجماعية والتهجير القسري بعد الاحتلال مباشرة.
لقد استطاع السرد الإعلامي الأقوى تغيير صور أحداث تاريخية كثيرة، ولجت أعماق القناعات الفردية والجماعية والحكومية، غيرت نظراتها للماضي للتحكم على أساسها في السير المستقبلي.
فقد احتكرت الحكومات قديما المواد الإعلامية للتحكم في السرد التاريخي والواقعي الفلسطيني، حسب إملاءات ومقبولات الغرب والاحتلال، وقوفا عند الخطوط الحمراء.
لذلك أعيب على عَيِّنَاتٍ كثيرة منها التلقي القناعاتي لفكرة الدولتين المتجاورتين على أرض هي حق للفلسطينيين بسبب الضعف المناعي العلمي والثقافي والروحي، أما الدهاء الإعلامي كَمًّا وكيْفا، فالضعيف عادة تخور كيفياته المؤثرة.
لذلك فإن السرد الإعلامي المضاد بكثافة احتوائية يقلب الموازين، منها مثلا لا حصرا:
1/ الصورة الحسنة للسلوكات الأخلاقية للقسام مع الأسرى سوقت إعلاميا.
2/ الانتصار القضائي الجنوب إفريقي على إسرائيل ساهم فيه الإعلام.
3/ الوضع المعنوي السيء للأسرى ثم ضغط أهاليهم سوق له الإعلام.
4/ التقلبات المزاجية للاحتلال بعد اتفاق إيقاف القتال سوق لها الإعلام.
فإن ما يعيننا على التفكير في تطوير منظوماتنا الإعلامية لربح المعارك المعنوية والفكرية والثقافية والتاريخية هو:
1/ المادة الإعلامية القرآنية لتوضيح الواقع الفاسد، والرد على الإساءة للمسلمين، ومقاصد الدعوة إلى التحرر.
2/ التخطيط لهجوم إعلامي على القنوات الغربية والإسرائيلية والعربية العميلة، وهو كفيل:
أ/ بتخفيف تعميق القناعات بمخالفات تاريخية وواقعية، ومنها الحكايات المُسْتَغْفِلَةُ عن المبادرة العربية المقولبة افترائيا على المصالح الفلسطينية عامة والغزية خاصة.
ب/ بقلب النتائج الإعلامية المؤثرة في موقف بعض الغزيين خاصة، والمسلمين عامَّة تجاه حماس والقسام، وتصحيح نظراتهم المشبوهة.
ت/ بيان السنن الربانية في الكون المتعلقة بالتمحيص المضحي بأثمان باهضة مقابل سلعة غالية هي الحرية.
ث/ بيان مشاركة الشهداء والمجروحين والمكلومين واليتامى والثكالى في التدرج التصاعدي نحو الغلبة المكتوبة للمؤمنين قَدَرًا.
ج/ تجاوز الخطوط الحمراء وتكسير حدود الفضح المرسومة دوليا.
ح/ زحزحة المفضوحين عن المشهد الفعلي الواقعي وفتح ممرات إعلامية تحرج الشخصيات والحكومات.
إن الوسائل والأساليب الإعلامية المملوكة للمخلصين للقضية أراها غير كافية مقارنة بما يملكه العدو وداعموه الغربيون من قنوات تواصل متنوعة.
ورغم ذلك توجد إشارات فَعَّالة دافعة نحو توفير ضخامة إعلامية خدمة للقضية، منها:
+/ السرديات التوعوية المضادة أحدثت تناميا عقليا في وعي المجتمعات العالمية لإدراك حقيقة الاستعمار الإسرائيلي.
+/ وقفت جدارا متدرجا لدحر الزحف الإعلامي الغربي الرسمي والإسرائيلي القاهر للعقول إضعافا للإسناد المجتمعي للمستضعفين.
+/ الإعلام البديل في مواقع التواصل واليوتيوب والوسائل الأخرى.
+/ الحرية الشخصية والمنظماتية قَلَّصَت كثيرا من التحكم الحكومي في التوجيه، فحدث تَمَرُّدٌ فَضَحَ حقائق مخفاة مؤسساتيا وشخصيا.
دون التعويل على فضائيات مُوَظَّفَةٍ أَجِنْدَاتِيًّا.
في الثمانينيات كنا نستحي من فحش الأسماء الرسمية والاعتبارية لشخصيات وكيان العدو.
حين نعيد وصفها بالإرهاب، وفلسطين بالمحتلة عوض الكيان، نكون قد طورنا تحديثًا لاستعادة وعينا من عصف السرديات الاستعمارية للأذهان.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم