الدليل الشرعي بين المرجعية والتجاوز

السلوكات الفردية والجماعية منوطة بالعلم، وهو منوط بالدليل نصا أوتجربة أونظرية للإقناع والإفهام به.
الأدلة حاكمة:
1/ على الأحكام الشرعية الفقهية المنزلة على تصرفات الأفراد والأسر والمجتمعات والدول.
2/ على القواعد الناتحة عن الاستقراء، بجمع الأدلة المتشابهة، كالقواعد الأصولية والفقهية لتطبيق الأحكام.
3/ على الاستصدار من النصوص، (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ)/الحشر/7.
(فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْيُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.)/النور/63.
4/ على الاستنباط من القواعد الاجتهادية، (أجتهد رأيي ولا آلو).
5/ على فهم النصوص، (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ)/النساء/83.
نتج عنه مجتهدون وطلبة علم وقاعدون.
فاهم الأدلة المستخرج منها مجتهد.
الباحث عن الأدلة وفهوم المجتهدين متبع.
مطبق الأحكام دون تكلف البحث ولا فهم مقلد.
المجتهد له مذهبه.
المتبع يبحر بين المذاهب مقارنا ومرجحا.
المقلد مذهبه مذهب مفتيه ولو تغايرت عليه المذاهب.
لكن:
تَقَلَّصَ الاجتهاد والمجتهدون.
انحسر المتبعون وعددهم.
توسع التقليد وأصبح نوعين:
1/ مقلد عامي بسيط جاهل.
2/ مقلد بجهل مركب، يدعي الاتباع ويَسُوقُه مُقَدَّسٌ عنده، سَلَّمَهُ نيابة الاتباع والاجتهاد عن نفسه، وإذا سئل عن الدليل، قال إنه في ذهن شيخي.
فقصور مشجعي التقليد المستسلمين له، وطالبي الدليل، ألغى الاجتهاد من ميدان الحراك العلمي الشرعي، وأصبحت الكثير من المؤلفات تَعُجُّ بالنقول عوض استنباطات جديدة.
استفزَّ الاعتداءَ على الدليل وتجاوزَه بتطبيقه دون إخضاعه لمختبر قواعد إعماله.
سببها الإسهاب في إهماله عند الفقه المذهبي من المصنفين القدامى ومريديهم، بمركزية ثقة متبادلة قفزت على حتمية الصواب البشري وخطئه.
نتج عنه:
أهل علم مكتفون بقول أوفتوى المذهب عن طلب الدليل مع القدرة على الفهم والاقتناع أوالرد، كَحَطٍّ من قيمة الثقافة الشخصية الحقيقية والاعتبارية.
ملوي عنق الدليل بِتَمَحُّلٍ مرفوض إن رآه مخالفا أومقوما أومصححا لفتوى مذهبية قولية فقط.
كان يثير تحفظاتنا زمان الصحوة الإسلامية خوض بعض الأئمة في شؤون غير مسندة بأدلة، فإذا استفسرنا قيل لنا هكذا قال علماؤنا.
الإشعار بقبول القيود الشخصية لقداسات بشرية والتضحية بحرية الفكر والرأي والاجتهاد.
إصرار الطرف المتجاوز عليها بفوضى دون ضوابط علمية قواعدية.
جرأة متمسكين بالأدلة دون فحصها بأدوات إعمالها، متطرفين في تطبيقها بحرفيات، فاقدين أدوات الفهم الموصل إلى رجحانها أومرجوحيتها.
محاولات استيعاب المشكلة باستنفار بعض شباب الفقه المذهبي، ولو بتأصيل الأحكام العَرِيَّةِ عن الدليل، بتآليف جديدة.
رغم ذلك تُصِرُّ المرجعية على استمرار الهيئة القديمة تعصبا، مما سيعمق المطبة، وقد ينسف جهود الاستيعاب.
أدعو:
1/ المذهبيين إلى:
ترك التعصب.
الهدوء المعنوي والعلمي والاستدلالي.
احتواء غيرهم بالاقتراب أوالتقرب إلى نقاط التوافق العلمي لتقليص فجوات الخلاف الذي يستثمره غير أهل السنة.
الخروج من البوتقة القديمة.
فلا يقبل (كمثال) أن تشترط المرجعية السدل على إمام في مكان، وكان يقبض في غيره.
2/ المستدلين إلى:
تعلم قواعد وأدوات تطبيق الأدلة، لعلهم يجدون تأصيلا صحيحا لكثير من الفقه المذهبي العاري عن الدليل.
ترك الاعتداد النفسي بادعاء القدرة على التشريع من الدليل مباشرة.
الهدوء المعنوي والعلمي وطرح التعصب
الخروج من النظرة السوداوية للفقه المذهبي.
الترحيب بالحسنات، وعلاج السيئات، للبرهنة على إرادة تنقيح الفقه من خرافات التقليد، والارتقاء به إلى الوحي والاستنباطات منه.
وإذا عجزت الطائفتان عما سبق من الاستدلال والفهم والاستنباط والاستقراء، وتطبيق الدليل بإسقاط أدوات تفعيله عليه، فلينسحبوا فاسحين المجال لمن يُقَيِّضُهُ الله لسد الثغرات.
لأن الدليل الشرعي إذا بقي أرجوحة بين المسرفين في إهماله، أوإخفائه، والجريئين في التطاول عليه، فقد هيبته وسلطانه على النفوس والتصرفات.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم