طوفان الأقصى والغدر الإنساني

كلنا انتظر وصول تنفيذ اتفاقيات توقيف القتال في غزة إلى نهايتها، إلا العارفين بالعمق النفسي والخبث المعنوي لبني إسرائيل مذ وجدوا في البرية، وأعظم فاضح لخيانتهم للعهود والعقود هو احتكاكاتهم بالمسلمين تحت قيادة النبي ﷺ، (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)البقرة/100.
وإذا كان أمرهم واضحا، والقاعدة تقضي بقتال الفئة الباغية من المؤمنين المقتتلين، (فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهۚ)الحجرات/09، والعرب في الجاهلية تعاهدوا على نصرة المظلوم، بحلف الفضول، ووعد النبي ﷺ بإجابته لو دعي إليه في الإسلام، رغم إمضائه بأعراف الجاهلية، التي أقرها التشريع، ومن رجاله ميت على الكفر، وميت على الإسلام، لكنه فرض العدل مع الإنسانية كلها، ورفع الظلم عنها.
الإنسانية فرضت على النبي ﷺ التحالف مع قبيلة خزاعة للدفاع المشترك وهم على الكفر، وجمعية الأمم المتحدة تأسست نصرة للمستضعفين، قبل اختطافها من قبل ديكتاتوريات الغرب المغلفة بالديمقراطيات الزائفة.
لكل ما سبق، فإني اليوم لا أضيّق مجال توجيه سهام اللوم نحو الأنظمة العربية الوظيفية العميلة المتكئة لكشف خيانات أخرى لا تقل عنها جرما، بالجبن والخنوع، أوتأييد المعتدي علنا أوكتما، كالشيعة المتظاهرين بالوقوف مع غزة وهم أصل فارسي يقارع الغرب تحت راية صراع الفرس والروم فقط، وفروع تابعة له وأقربها إلى فلسطين ذراعاه اللبناني واليمني، وأبعد منها الحشد الشيعي العراقي، ينوبون عنه في هذه الحدود، ومشجب المصداقية هو فلسطين.
وكالأتراك الخُنّسِ الباحثين عن مصالحهم بشعار السلالة العثمانية.
إنما أوسع دائرة التأنيب للإنسانية جمعاء.
1/ المسلمون الصادّون عن أصول دينهم، المشتغلون فيها بالفروع الشخصية العقدية والفقهية، لاستغفال غيرهم عن نصوص نصرة المظلوم، خاصة من بني الدين والجلدة والأرض والعرض، فتجد أفرادهم وجماعاتهم يُصدّعون رؤوسنا بالنفرة من المقاومة لأشعريتها (ولست أشعريا)، وكأن الأشعري ليس له الحق في الدفاع المشروع، إلا بعد استيقاظ المدخلي من فراش الغطيط، واستشارته، والتماس إذنه، وكأن محرري البلدان ومنها الأقصى نأوْا عن العقيدة الأشعرية، وموتاهم ليسوا شهداء، ولا مقام لهم في الجنة.
2/ العلمانيون الذين يريدون للإنسانية حياة خارج الدين، فما تركوا الدين يشتغل، وما قادت علمانيتهم الإنسانية نحو النجاة من الدمار.
3/ أهل الكتاب الذين تحوي كتبهم وشروحاتها أدبيات التسامح والسلم والخلاص والمعاني الروحية التي فرّطوا فيها بالتفرج على خرم المحتل لها في غزة.
4/ الشيعة وشعاراتهم البراقة بشيطنة أمريكا والموت لها، ورمي المحتل في البحر، التي افتضحت عند حدود لبنان، واليمن، والعراق، كدروع الحامية الفارسية البعيدة فقط.
5/ المستمرؤون احتلال العدو للجولان أيام حكم الطاغية بشار، وبعد سقوطه يطالبون الشرع بتحريرها، بعد سكوتهم عن إلقاء البراميل على السوريين، وكأن سقوطه أرخى سدول المقاومة، فشجع العدو على الاستفراد بغزة.
6/ الأنظمة العربية المتباهية بالحروب الحدودية، وتعسير التأشيرات والإقامات والتنقلات العلمية البحثية والسياحية على شعوبها، وتشديد الرقابة الأمنية عليها، والوشايات بها، حماية لأنظمة تحاكي انتفاخا صولات الرجال.
الإنسانية كلها غدرت بشعب غزة، وتمالأت عليه بالتحريض والتخنيث، انخلعت من جلدها البشري والتحفت بالرداء الحيواني، جبنا وهلعا.
غدرت، بحكوماتها، وعلمائها، ومهندسيها، وأطبائها، وقسوة قلوبها.
لو غدرت بحيوان لأبينا، فكيف ببشر؟ عار على إنسانية يَفْضُلُها الحيوان بألمه لذبح نظيره بحضرته.
لوضغطت بكبسة بترولية أوصناعية أوحربية أوسياحية لصانت عرض الغزيين.
إن تحرير الأقصى في تقديري لن يتم إلا بمنظومات سلطوية إسلامية عربية سنية، لأن التنظيمات والحزبيات عاجزة عنه.
أدعو الإنسانية إلى تفقد عقلها، وإعادة تحديثه وتطويره، بما يستنهضه لتغلي الدماء في عروق أفرادها وهيئاتها، وتغرس على الأرض فرض السلام في غزة.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم