رمضان وجهاد الصائمين

لعل من القصور الثقافي واللغوي والعلمي، حصر اللفظ في نطاق ضيق، بسبب الاستعمال الأغلب، فيفوت نفع معرفي ويضيق به مجالات موسعة.
فلفظة الجهاد المشتقة من جذر جهد لا تقتصر على القتال المسلح ضد المعتدين غير المسلمين، رغم أنه جهاد أكبر تبذل له النفس والأموال لله، ويُرَخَّص إسقاطُها في ساحات الوغى بيعا لله تعالى، لكن معناها ومجالات تفعيلها أوسع مما سبق، يتساوى معه في الأجر أويقل عنه، ذلك متروك لله.
فهي بذل الوسع في تحصيل المنافع المختلفة، ويصدق عليها إنفاق الغالي كلما عظمت السلعة.
فشهر رمضان المبارك هو فترة جهاد الصائمين لتعدد مجالاته التي يُرَقّيها تعظيمه.
ولا يعلو سُلَّم هذه المفاهيم إلا من احتضنته يوميات ودقائق أوقات الصيام، أما المكتفي بالإمساك عن المفطرات وفقط لن يشعر بجهاده.
قد يجاهد الصائم في شيء واحد وقد يعدد جهاداته في الشهر.
فالصائم المجاهد ممسك عن المفطرات لله لا للعادة، يعارك نفسه لتتجرد لله، يقاومها لئلا تسلك غير سبيل الله.
يرتقي بذلك من الصبر إلى التصبُّر، لنيل درجة الفعل إيمانا واحتسابا.
يتصبر مع غيره بالإمساك عن الأذى أوردّه، كيلا يخالطَ صيامَه الدخنُ.
يغالب نفسه في الصدقة، والكرم، واستشعار أنين المحتاجين.
يجبرها على قيام كل لياليه، وختم قرآنها، لأن التمسك بعدم ختم النبي ﷺ تبرير للقعود عن سلوك سبل الله تعالى، فالصحابة رضي الله عنهم قاموه كله وختموه بعد زوال خشية الفرض، وهي علة توقف النبي ﷺ عنه، كالحج الذي سكت عن القول كل عام، وقد كان أبيّ بن كتب رضي الله عنه يختمه صلاةً مرتين، وفي هذا لا يُلتفَت إلى خلاف الأقل مع اتفاق الصحابة والتابعين وجماهير العلماء واستحبابهم الختم لإصدارهم من الأصل، لا من الهوى، فالخلاف هنا في معارضة الدليل أوأصله خلاف ضعيف، أومرفوض.
يمنعها كثرة النوم وهي تركض نحو الدعة والاسترخاء.
يحضّر قرآن التراويح حفظا ومراجعة ومدارسة.
يتصبّر على الطاعات والمعاصي، يعيش بين جذبين، فيميل نحو الطاعات رغم إغراءات المعاصي.
إن له حرارةَ الشوق إليه، ولذةَ عناقه، وجرِّ منافعه بعده، قرباتُه أكبر من أوقاته، تراه في اقتناء أغراضه مسرعا لِلِحاق التزاماته.
لجهاد الصيام امتداد بعده فرحا بآثاره، وقبله تحضيرا للاقبال على نفحاته بعد فتور نصف السنة، ليصبح مَعْلَمَ المجاهدين الصائمين الصابرين التّوّاقين إلى بلوغهم رمضان وبلوغه إليهم، السائلين أن يسلمهم الله له، وأن يسلمه لهم، فيعيش تحت ظلال قوله تعالى (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)/69/العنكبوت.
فالهداية لن ينالها غير المجاهد في سبيل الله بأوسع المعاني والمجالات.
إذا كانت مطلبَ كل مؤمن فالمعروض العظيم يرفعُ الجهدَ.
الجهاد بهذا المفهوم الواسع جالبٌ للمعِيَّة الربانية، لأن الدال على الطريق الهادي إليها ملازم، فالله تعالى مع المهدي، بشرط درجة الإحسان، هرم العبادة، إن عني في اللغة الإحكام والإتقان والإتمام كما سبق في مقال سابق، فإن تعريفه الاصطلاحي مستمد من النبي ﷺ فقط، أن تعبد الله كأنك تراه.
بغير هذا الوسع النفسي والمعنوي لا يقدر أحد أن يفتئت على رمضان بالنرجسيات غير المجاهدة، غير المروضة للنفس والبدن، ممن يصرف نفسه وغيره عن هذا، ويشرعن بمجموعة شبهات إن اعتدى بها على فهم العلماء فلن يطيق تجاوز فهم الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، لأن القاعد عاجز عن الالتزام وبرمجة الذات على النظام الرمضاني الذي تُفتَقَد فيه الثغرة الوقتية، (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ)95/النساء.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم