طوفان الأقصى والصبر الطويل

على قدر الهمة يحصل الاستعداد والتضحيات.
طوفان الأقصى منعرج مفصلي في تاريخ الصراع السرمدي بين الحق والباطل، بهظ ثمنه، طال الصبر عليه، لما بينهما من متلازمة النصر، (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا) فصلت/35.
المؤمنون عُذِبُّوا في مكة ولم يتبَرَّمُوا من الرسالة، رغم جدتها عليهم، والمنافقون لم يصبهم شيء في المدينة وسخِطوا، والغزيُّون على البأس صابرون، إلا المرجفين، وبعضنا يلومون المقاومة رغم بعدهم، بحجة الدماء والفتنة.
إن الصبر كالجنين يولد بسيطا فيبلغ أشده ليُقَوي أزر المصاب، لتوفيق القلة المصطفاة، وتحميلها الشرف والرسالة، والنصر بالتمحيص.
إن الصبر:
أ) بائع النفس والمال حقيقة لا ادعاءً (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُومِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم) التوبة/111.
ب) المتاجر مع الله حقيقة لا ادعاءً مقابل الجنة لا الدنيا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ ادُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ الِيمٍ) الصف/10.
2/ دليل توكيل الله على النفس لا توكيل الدنيا عليها.
3/ قد يتهاوى عند ضعفاء الهمم.
4/ سر القوة، وانعدامه سر الضعف والخور.
5/ أسلوب تمرير رسالة المشعل عبر الأجيال، فلو لم يصبر جيل المضطهدين المَكّيِين، ما ثبت خلف المدنيين، سَيُسَلّم صابر غزة بارود تحرير الأقصى بشموخ للمبعوثين أوْلي بأس شديد.
عُذّب الشهيد العربي بن مهيدي وسَخِر من سالخي جلده عن جسده فتعجب العدو من جَلَدِه.
6/ إذا طال عمره فلِلَذَّة التعبد به، لا لعسر التحمل.
7/ دليل التشبث بالقضية، والزهد في كل الدنيا لأجلها.
8/ يجبر العدو على إخراج كل أوراقه، واستعمال إجراماته، واستنفاد رهاناته، فينكشف ظهره، فيفشل في تحقيق غرضه.
9/ يقود الى الإبداع في التجديد والتطوير والتنويع والتحديث.
10/ يقوي الثبات والمقاومة.
11/ يهين الجبروت، فليوطن نفسَه عليه من أراد ولوج صراع الحق والباطل، وبنَفَسٍ واسع عريض ممتد الى آخر مسافة آفاقية للفرج.
صبر الفيتناميون وهم شيوعيون على بطش الآلة الأمريكية المدمرة، والكوريون بتفضيل الانتحار على الأسر بحسم شديد، ومقاتلو الصومال فأذاقوا الأمريكان مُرَّ العلقم وأغرقوهم في أوحال ومستنقعات القرن الإفريقي.
12/ هو ثبات على العهد والمبادئ والقيم (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) آل عمران/146.
إن أهل غزة لن يندحروا القهقرى، لأنهم في أوتون مظلمة، يخرجون منها بصبر طويل، يقود الى نصر مؤزر، فإن من خلفهم ومن بين أيديهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم محرقةً يطفئ نارَها الموقودةَ الاندفاعُ الأمامي نحو جنان الرحمن.
إنهم يعانون:
١) الظلم والإبادة توازيا مع ميزان التمحيص الذي لم ينته بعد، (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) آل عمران/141.
٢) الاختبار بابتلاء الصبر (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) آل عمران/142.
لأنهم المعنيون بما ورد عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال (لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك)، قالوا (يا رسول الله وأين هم؟) قال (ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس)، رواه أحمد والطبراني.
فلابد أن يخرجوا مُطَهَّرين مميزين من المصفاة الربانية لقيادة تحرير الأقصى، لهذا طالت المحنة والابتلاء والصبر.
فيا آل غزة:
جَلَدُكُم وثباتكم هو ما تَتَصَبَّر عليه وبه معنوياتنا، ونحن نتألم أسى على ماتكابدون، ونخشى عقاب الله لنا على العين البصيرة واليد القصيرة.
لقد جمعتم بين جمال الشاكرين فبعتم أنفسكم في سبيل الله والأرض والعرض، وعفة الصابرين فتجرعتم البلايا بدل الضجر.
صبرا آل غزة،، فإن موعدكم الجنة بحول الله.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم