اعتبر أغلب المسلمين الطوفان إرهاصَ فتح مبين، امتطى شباب غزة المركبات المغتنمة يومها، وغفلوا عن انتقام العدو بالوحشية المبيدة، وتحلى الضحايا الأحياء، والمسلمون بالصبر الطويل، وبدأ اللغط حول جدواه وأسبابه وصوابه وخطأه، وتعاظم بين شرائح واسعة، بسبب سلاح الإعلام الذي لم يعد ذا حدَّيْن كما يقال.
كانت الأحداث قديما تعرف بعد زمن لا يقل عن عشر سنوات، لانعدام إعلام اليوم، وإذا كُتِبَ لأخبارها الانتشار فبين صفوف المعنيين، لشحن الحرب النفسية، تمكينا للصراع، واتقاء معاول خارجية تثبط الصفوف، وتبقى بعيدا عن الجاهلين للمجريات وعن تأثرهم وتأثيرهم، إلا ما يقع قليلا داخل المعركة، فكانت الحروب والمعارك عند الفرس والروم والمسلمين والصليبيين وغيرهم على هذا الشكل، ويبقى كل شيء مُحْكَمَ الأسرار، إلى عودة الجند، ليُتحدث بمتعلقات وذكريات المواجهات، والترحم أوالتأسف على القتلى، لكنها لا تؤخر ولا تقدم، لا تشجع ولا تثبط، لانتهاء كل شيء إلا استلهام الدروس.
ومع الانتشار الوافر الآن لتوصيل المعلومة سرا أوعلنا من عين الحدث وإليه فالأمر مختلف.
أهالي المختطفين الاسرائيليين، تبلغهم أخبارهم تباعا فيتظاهرون لاسترجاعهم، (ولولاهم لأيدوا الإبادة الإجرامية بلا تحفظ).
والمسلمون بين ثلاثة أقسام على الأقل:
1/ المناصرون لسياسيي ومقاتلي الغزيين.
2/ الواعون ببعض التفاصيل، لكنهم يُرْجِئُونَ تدخلاتهم تصويبا أوتخطئة إلى غاية انتهاء المعركة، لينأوا بأنفسهم عن لوثة الإرجاف.
3/ المعارضون بدون التزام التحفظ، ولا تقدير العواقب النفسية والمعنوية على الشعوب المسلمة والفاعلين قتاليا وسياسيا.
وهم فريقان على الاقل:
أ) المُسَوِغُونَ لقعود أولياء الأمور والمقصود الخفي حاكم المملكة السعودية، ولو تحرّك لتوقفت التبريرات، لكن عليهم لو صدقوا إخوانهم والقضيةَ الضغطَ عليه سِرًّا كما يروجون، نحو توقيف الإبادة على الأقل وبعدها يسمح بالتقييم والتصويب والتخطئة.
ب) متذرعون بالدور الإيراني في المحرقة، لكن لو اختاروا نصح الحمساويين والقساميين للاستقلال عنها والتحذير من مناوراتها لكان أحسن، وبعد توقف الحرب يبنى مقام المقال.
لا يخالجني شك في أن المظاهرات الشعبية في الشوارع الغزية المُجَرَّفَةِ نتاج اللغط المُعَجَّلِ إعلامًا وكتابةً وسياسةً، حَرَّضَ عليه عناصر فتحاوية، وأمنية مصرية تسللت الى غزة أثناء مرحلة تبادل الأسرى.
إن ترتيب الأولويات يخيرنا بين:
١/ الانتقاد والبيان.
٢/ تعليقهما إلى اندمال النزيف.
لكن العاقل يختار تقديم الحلول، وفضح الاحتلال وداعميه، لأن اجتماع البشرية على كلمة واحدة ولو بالأدبيات سيغير القناعات ويحسنها، ويحرج أنظمة عالمية، واستمرار الانتقاد في غير زمانه، سيثبط المقاومة ويزيد:
1/ إصرار المجاهدين على الوهم الإيراني ليصبحوا معاول في صراع الفرس والروم.
2/ الشرخ بين المدنيين والعسكريين الغزيين، وبوجود المندسين تستغله قوى لإحكام تسيير الأحداث لمصالحها، والوقت لرصّ الصفوف لا لخرقها.
3/ انهيار المعنويات وصرف المقاومين عن الإبداع في الميدان.
لأن:
1/ الميداني أدرى بشعابه.
2/ تلميع الأدبيات المنتقدة رقص على جثث الأبرياء المبادين عوض صرخة (كفى إبادة).
3/ نقض المحتل مواثيق الوسطاء بالعدوان، دافعنا نحو واجب النصرة وتأجيل الحديث.
4/ عدم إضفاء الطابع التعبدي على صبرنا حسد سيء للتضحيات الباسلة.
5/ القضية أمام مشروع التصفية والتهجير وبيعها لأعداء هم بدأونا أول مرة بالاحتلال.
6/ مخالفة ذلك سيجعلنا مأدبة اللئام بعد الانتهاء من فلسطين لا قدر الله.
7/ الحدود الشرعية تؤجل أثناء الحرب فاللغط أولى.
8/ إذا رفض العقل إبادة أي إنسان فالمسلم أولى، و(ما يأباه العقل السليم يستحيل أن يكون دينا).
9/ يُخشى أن يُحشر اللغط في (لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ، وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)47/التوبة.
(انصر أخاك ظالما أومظلوما) تقضي بنصره مهما كان السبب، وبعد تغليبه على العدو يباح للمقام مقال.
Tags:
مجتمع
