توظيف الدين في صراع الفرس والروم

أحداث التاريخ تتكرر دوراتها قوة وضعفا، لتعيد صراع الهيمنة بين الفرس والروم، المنسل من الأصول التاريخية لإمبراطوريتيهما، بالوسائل والأساليب المناسبة لكل حالة وفترة ونوعية بشرية تتقبل التفاعل مع المتغيرات بوعي أوغفلة، بانسياب يوفر جهد ووقت الغلبة.
الغرب الصليبي يوظف الدين استغباء لا امتثالا، ويصمم تكتيكات التوازنات بالمسيحية العالمية، وصياغة إسلام مراد، كعملاق نائم تُخشى صولته، بسبب أمارات الوعي الشعبي، للإبقاء على مبررات ولوج مناطق مستهدفة، مع توكيل مجموعات إرهابية ذريعتُه حماية الإنسانية منها، لاحتلال جغرافيات معدة مسبقا، وهو توظيف عكسي للدين.
والغرب بأرمادته العلمية والفكرية والاستشراقية والدراسات التاريخية بأرشيف فترات صراع الوجود، لا يغفل عن تنزيلها على الحاضر لاستعادة أمجاد إمبراطورية الروم الهرقلية، ولا يتجاهل الفتح الإسلامي وخاصة في العهد الأموي لمساحات كبيرة من رقعة كان يسيطر عليها، يستعمل الآلة الإسرائيلية بالوكالة في حربه الدينية.
مُغفل هذه الحيثيات غبي يتعامل مع خصم يتوهمه حملا وديعا، ببصيرة عمياء، وعقل مشوش، ووعي غائب.
أما الفرس فهدفه استعادة أمجاد الإمبراطورية الفارسية كما صرح الخميني على متن طائرة العودة من منفاه في فرنسا إلى طهران يوم 01 فيفري 1979م، الموافق لـ 4 ربيع الأول 1399هـ.
لكن السلطة الشيعية استلمت بلادا منهكة القوى من حكم الشاه، فليس لها ما تعتمد عليه للإسراع في البروز الدولي القوي، وإلقاء رداء الهالة العظيمة لبسط الجناح واستقطاب الغير إلا الشراع الديني، لأن كل القيادات الفكرية والسياسية تدرك القيمة الدينية والتأثير الروحي الكبير الممسك بتلابيب الناس وعقولهم وعواطفهم، ولأن بلدانا إسلامية كثيرة كانت تئن تحت وطآت الفقر والمسكنة والاستبداد والمظالم الإدارية والمالية، وكانت الصحوة الإسلامية سبقت الثورة الخمينية، لكنها مكثت تعد الجانب التربوي والأخلاقي وتستقطب رواد المساجد فكريا فقط، ظنت القفزة الخمينية ثورة إسلامية واستطاع كثير من المعممين بعد نجاحها بث شبهات التقية على شباب الصحوة العالمية وأخفوا طعن الدين الشيعي شرف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ولعن ثلة من أصحابه، واعتقاداتهم المتعفنة في الخلافة والقرآن وأصل الحركة الشيعية، لتجعل باقي المسلمين دمًى بحكم ظاهرها الإسلامي نحو نصر صراعها نيابة عنها في البلدان السنية.
وحدث تقبل خطير لتصدير الثورة الإيرانية، لولا لطف الله.
وجدتها بعض الشعوب المسلمة في غياب الوعي، ملاذا لتصحيح الأوضاع الداخلية ولدعم الصحوة الإسلامية بسبب الشعار الديني ولافتته الرسمية والشعبية للخروج من أوضاع الضعف العام، بما فيها الشعوبيون في الحركة الإسلامية، وتوهمت أن تحرير فلسطين منوط بها، وسلطانها على لبنان وسوريا والعراق واليمن مرحلة توسعية، لكن الآمال كانت تتبخر كلما اعتُدي على غزة، واكتفى الفرس بالمواقف الشفهية، ودفع السنة لحتفهم، وشيء من التسليح والتدرب تلميعا للصورة، ورهنا للقرار الحمساوي، وثمنا للمجد، ومنه حرب الإبادة بعد طوفان الأقصى، حيث تنامت حقيقة الإمبراطورية عكس شعارها الثوري (حماية المستضعفين)، ولعبة المتاجرة بالقضية محاكاة للخذلان العربي المحسوب على السنة، فلا فلسطين تحررت، ولا أمريكا ماتت، ولا إسرائيل رميت في البحر، ولا الدين المستعمل انتصر.
انطلقت إمبراطورية كسرى من مجوسيتها ووثنيتها، لم تراوغ الله تعالى، واكتفت برصيدها الحقيقي، كسنة كونية، وصلت إلى مجد معتبر.
لكن كل من ناور بما ليس له لم يصل لأن الرصيد وهمي، فالتعبد بما لله موفق، واستعمال ما لله لغيره غير موفق.
وليعلم السنيون أن استعادة أمجاد الخلافة الإسلامية عبادة لا توظيفا يتأتى بتحطيم قيود استرقاق الروم والفرس، وأن التعامل مع الفرس لا يتجاوز أطر المصالح الندية، لا الغطيط في حضن توكيل مخدوع، تضيع معها معالم شخصيتنا الذاتية.

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم