طوفان الأقصى والمعيار الشرعي

لقد كان الطوفان نقطة تحول واضحة وعاصفة للعقول والشعوب والحكومات والثقافات والاهتمامات، بعد ركود فكري بخصوص القضية، قسم الملاحظات إلى فئات مختلفة، منها الانطباع التشريعي.
والعنصر الثابت الذي لا يتحول في معادلات الزمان والحركات والمنعرجات الإنسانية هو الطوائف الحيادية التي ترقب الأحداث عن بعد دون إسهام في النقاش العام، عجزا، أوخشية الإلجاء إلى ركن سوء شديد من هنا وهناك.
إن التعبير الشرعي عن موافقة الطوفان والتبرير له، أومخالفته والتبرير ضده، قد يستعمل كأسلوب فرار من صعوبة المعالجات العلمية والواقعية والاجتماعية والسياسية، على المستوى الفكري بالنظرة الواسعة المنفتحة.
لذلك ليس من الحكمة حصر الفكر في زاوية تُضَيِّق رؤية مساحة المشهد، ولو كانت شرعية، رغم أنها الأصل في تقديري، وكل المنطلقات الأخرى فروع لها ونتائج تبعية.
إن المعيار الشرعي للطوفان ميزان قيمي ضروري ومهم، لأنه يتنزل على بلد وشعب مسلم.
فمن المفيد تناول الحدث بمنظور واسع غير متطرف من المواقف المختلفة.
لأن التلويح بالشرع لمجرد تبرير رفض الطوفان والتشفي في نتائجه، أوطلبا للدعة، أولمجرد التصديق عليه، كلها علمانيات مبطنة خاضعة للغاية المبررة للوسيلة، لا تختلف عن نداءات عزل الدين عن قياس الأحداث.
يفترض أن تسبق النظرية التشريعية الفعل الإنساني لتتأسس قاعدة له، لا مركوبة، لكن الخلل يصيب الخطاب البشري الديني التشريعي الإسلامي ليأتي تابعا غير متبوع.
ولذلك يفلت التنظير التشريعي الفقهي بكلمة باطل عاطفية يراد بها باطل متهور، لمنع تحكيم القاعد على المجاهد، مع أن فقهاءنا الأوائل وأرباب المذاهب السنية بالخصوص أصدروا أحكام كل الأبواب العملية التكليفية.
يدفع هذه الكلمة نحو الضمور طرفٌ يستهدف تبديد الفضاء الحكمي التشريعي الإسلامي عن حياة الناس، لتبقى الفوضى النرجسية.
رغم توسع التخصصات العلمية، إلا أنها ابتليت بالتشعب الداخلي العريض.
لذلك فإن المقاربة التشريعية لطوفان الأقصى قد نجد لها مجالات متعددة، كقيام الجهاد إلى يوم القيامة، ومفهوم الصائل، وقيمة الدين مع العرض والأرض، أودونهما، والفرق بين جهاديْ الدفع والغزو، وإعداد مستطاع القوة، (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ)الأنفال/60، أونصف قوة العدو على الأقل، (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّه وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)الأنفال/66، واستدراج العدو لنا أوالعكس، وتحرير حقيقة الحاكم ولي الأمر بين الفعلي المتغلب والشرعي المنتخب في مصداقية قيادة تحرير فلسطين، والصبر على الحكومات المسلمة حتى تعلن النفير العام من عدمه، وانتظار تصحيح فروع العقيدة، أوالاكتفاء بالغلبة الناضجة بها، لوجود من أسلم في عهد النبي ﷺ وجاهد مباشرة فاستشهد بلا ركعة ولا علم عقيدة، وتكييف الاستعانة بالمخالفين عقديا كإيران، والدراسة العميقة لمقاصد الشريعة من الحدث، وترتيبها منطقيًا، أوقلبها أولويًا.
إن الطوفان أحد الهَبَّات البشرية التحررية المُحَطِّمة لقيود الاستبداد الاستعماري والاسترقاق العدواني، والجبن الهواني، ليس وحيا ربانيا، ولا إلهاما نبويا.
فلا نكران لفرد أوجماعة إن انبرى لمناقشات مؤيدة أومعارضة، كلٌ ودليله النصي بالفهم المؤسس، واجتهاده بالقواعد المستنبطة نَصِّيًا، لتنصيب المعيار الشرعي عليه.
شرط توافق القياس مع التنزيل التطبيقي لا مفارقته.
كما لا بد من الإقرار بأن القطع الشرعي للمسألة هو عند الله تعالى فقط، والنبي ﷺ ليس بيننا ليكشف لنا اليقين.
والحق واحد يراه العلماء والمتخصصون التقنيون من جهات متعددة بالظن الغالب.
والأهداف والنتائج تصدق أحكام الأطراف مطابقة أومفارقة، رغم منعنا توظيف المقاربات المختلفة على حساب الحق في الأرض المغتصبة والحرية المقدسة ولو بالتقادم.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم