اللامزون للعلماء لا يقرأون لهم، فيصيبونهم بعماهم القلبي، (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى ٱلْأَبْصَٰرُ وَلَٰكِن تَعْمَى ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ)46/الحج.
من لا يصبر على قراءة مقال بسيط لا يطيق كتابا أومجلدا.
وإن من جهل الشيء عاداه.
هذه أعظم أسباب ظلم مدرسة الإمام ابن تيمية رحمه الله وجازاه عن الإسلام والمسلمين خيرا.
1/ أدعياء اتِّباعه:
الذين يقرأون له بتبعيضية لا بكلية، فيتخرج فهمهم سقيما.
2/ الاتجاه المدخلي:
بما يخالف اعتدالُه تطرُّفَهم.
3/ الجماعات الجهادية:
بسوء فهم مجلد الجهاد من مجموع الفتاوى، وتحريف مضمونه، وتوظيفه في قتل المسلمين.
4/ المُبَدِّعُون المُفَسِّقُون:
استغلوا حِدّيَّتَه مع أشد الداعين إلى البدعة المُصِرّين عليها، ليُنزلوا أحكامه على كل مبتدع رغم أنه صَنَّف المبتدعة في مواقفه المتصاعدة أوالمتنازلة نحوهم، وفَرَّق بينهم.
5/ الطرق المنحرفة:
من الصوفية والوشاة لدى الخلفاء والأمراء والحكام، لأنهم لم يتحملوا إفحام شبهاتهم الواهية بأدلته الدامغة في دحض شطحاتهم المنكرة.
6/ الفرق العقدية:
من المعتزلة والجهمية والقدرية والخوارج قديما، ومتشددي الأشاعرة قديما وحديثا، رغم أن أدبياته تشير إلى المذاهب ونقد الأفكار لا الأشخاص.
7/ العلمانيون والعقلانيون:
بما أثخن في أقرانهم من الفلاسفة والمناطقة.
8/ أهل الأهواء:
لأن أدلته على الأحكام لسان صارم.
9/ الحكومات:
بعد التغرير بها من قبل مناوئيه بمنعها تداول مؤلفاته.
ابن تيمية ليس نبيا معصوما، ويعجبنا انتقاد أقرانه له، خاصة أنه يوجه معظم مؤلفاته للعلماء، لكن كما يقول أهل العلم إذا أسقط عالم بزلة عُدِمَ من نأخذ عنه.
بعض أدعياء اتِّباعه يظلمونه بتقليد أواقتداء أعرج، وغير مطابق، فالصرامة التي كان يتعامل بها مع المنحرفين لها مبرراتها الواقعية والشرعية وقتئذ، فقد تصلح بعض الأساليب في وقت وظرف دون آخر، وفي زمن تغلب التشريع دون زمن ضعفه، ومع الملتزمين بما لا يفتنهم أمرا أونهيا أوفهما أوغررا، يؤهلهم لموضعية الزجر والصرامة، أما غيرهم من ضعفاء النفوس فمحل دعوة وتربية بما لو سُلِك معهم سبيل الآخرين هجروا الإسلام.
فلم يثبت عنه وضع كل الناس في سلة واحدة، فالمبتدع عنده غير الداعي إلى بدعته، غير المبتدع الذي قد يقمع بدعة أشنع، وهذه وسطية واعتدال موجودان في مصنفاته وكتبه.
ابن تيمية كان يعتبر غيره خصوما أومنافسين لا أعداء، ويعمم الإنذار والوصف ولا يعين، إلا بَيِّنَ العداوة للدين الذي استوفى شروط تكفيره، أوتفسيقه، أوالتحذير من شره، وانتفت موانعه، وهذا يتاح للعالم، لا لمجرد الأتباع من غير رتب علمية، وهذا مما أوتي منه الإمام ابن تيمية ومدرسته.
يفترض أن نستلهم الحقائق والآداب والعرفان من ديننا، لما يزخر منها بين دفات الأدبيات الإسلامية، لكن ابتلينا بمن يدفعنا إلى الاستدلال بوقائع غير المسلمين، فأولئك ينقبون عن كل نفع في بطون مؤلفات علمائهم، ويفيدون منها، ولا يكترثون بمثالب يجدونها أثناء البحوث، ولا يديرون ظهورهم لمصنفاتهم لمجرد مفارقات، إلا بعض الرعاع من المسلمين طبيعيا أوتحريضيا أوإغرائيا، من جهات مختلفة، ومنها الجامعة الإسلامية بتل أبيب.
إن الميراث العلمي لابن تيمية كغيره من مواريث العلماء الكبار، الموجودة في أمهات المجلدات، يمثل جبلا شاهقا، وبحرا هادرا، لا ينجو من ناطَحَ شموخه، أوعاكس زبد موجه.
أدعو كل من نُكِتَت في قلبه تجاهه نكتة أن يقرأ له بعمق، وإنصاف، يلحظ فيه ما له وما عليه إن كان في مستوى امتحان أهلية العلماء.
وإلى الهدوء في نقاش علومه وأفكاره، بترك هوامش ممكنة فارغة مانحة للتوازن الفكري.
ويقال مثله عن سائر علمائنا، وإلا نسف تراثنا العلمي الزاخر كما لو جُفِّفَ بحر عميق.
Tags:
إسلاميات
