الحركة السياسية والحربية من حيث جمعُ المعطيات تشبه دقة الرياضيات، والفقه في تحصيل المنافع وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها، والعقيدة في استيعاب النصوص للإلمام بالحقيقة القطعية، فالراجح بين أهداف الحرب يؤشر على ميزان آخر وهو الربح والخسارة الناتجان انتصارا أوهزيمة، لأنه يُعنى بالقدرات المالية والمادية والبشرية السابقة والباقية والآتية، وقيمة طاقاتها المستمرة كثرة أوقلة، لاستئناف حرب أخرى، أوتسيير السلم البعدي، كترتيب الكيان البشري، المادي، الهيكلي، المعنوي، وغيرها.
فتطرح التساؤلات حول تفضيل التغلب على الخصم ولو بهلاك البنى المختلفة، أومراعاة تأثيرها في تقليل قيمته.
وتحليلها يستدعي الواقعية دون نرجسيات متعاطفة، أومعادية، أومتحفظة، أوإهمالها أمام نشوة البطولات، أوبكائيات الانكسارات، مع الاعتداد بها محليا وعالميا.
وللقارئ الاكتفاء بالمقال السابق، دون إعادة، لكن الفارق أن الأهداف المرجوة مقصودة، والمفاجئة تُستقبل للتحقيق كطفرة، أما النتائج فهي مخلفات حتمية كأثمان مُعَدَّة للبذل، أووقائع ميدانية غير منتظرة، أوزيادات ثمنية اضطرارية، فكثير من الحروب يخرج منها أصحابها منتصرين لكن بخسران عتادات متنوعة، أوبشريات، أومديونيات، ولم تُستهدف أبدا لا منطلقا، ولا مسارا، ولا انتهاء، وربما شدد المحارب على درئها، أوالتقليل منها.
لا أريد لي ولا للقارئ الكريم بهذا التحليل التطاول على شباب في همة الرجال واقفين بصمود أسطوري في وجه آلة عالمية، {لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}النساء/95.
وإنما محاولة المقاربة النتائجية الحربية، وترك الحكم الظني لأهل العلم المتخصصين شرعا وتقنيا.
ولا يخفى على مستبصر أن لكل حرب بصماتِ نتائج:
أولا:
المحلية:
النتائج المحلية في غزة بعد الوقف الهش لإطلاق النار، كثيرة المجالات:
1/ بشريا:
حسابات موتى باهضة، الهدمى، المفقودون، قد تتجاوز السبعين ألف نسمة، الافتقار إلى مقابر تثويهم، منهم طاقات علمية، وأكاديمية، وجهادية، أيتام سيتشردون بين الجهات المختلفة.
وحتى الاحتلال فقد قيادات عسكرية ميدانية على أرض المعركة.
2/ ماديا:
بيوت مهدمة يَعْسُر ترميمها بَلْهَ تعويضها، ردم يعيق الحركة، دمار، خراب، فقر الأموال، شح الإطعام، قلة الخيام، أَوْحَالُ الميادين، العتاد العسكري للمحتل المحطم والمعطب على أرض المعركة.
الإنفاق القادم لإعادة الإعمار خسارة مفروضة على الفلسطينيين أوالمانحين.
3/ اجتماعيا:
صعوبة التأقلم مع النزوح نحو العودة، مع التعاون البيني على تجاوز الأزمة بالإيواءات والاستضافات، مشاريع التهجير القسري.
4/ معنويا:
الثكالى، الأيتام، المتشبثون بالأرض، التهديدات الترامبية المفاجئة في إطار الخريطة المرسومة قبل الطوفان.
اهتزاز معنويات الشعب الإسرائيلي، تَمَعُّضُهُ من كثرة حروب حرمته الأمن الفردي والأسري والاجتماعي.
5/ عسكريا:
تعاظم الخبرة العسكرية لدى شباب القسام، امتدادا للمواجهات السابقة.
ثانيا:
العالمية، تحالفا، وتوجسا، فطوفان الأقصى تسبب في:
1/ تأكد الاحتلال والقوى الغربية ألا مجال لمواصلة التعامل بالمقاربة العسكرية مع المقاومة لاستحالة القضاء عليها.
2/ تأكيد تصريحات المختطفين المسرحين، والمحللين العالميين على ضرورة انتهاج الحلول السياسية السلمية مع الفلسطينيين.
3/ الجهة المؤهلة لهذا الحوار هي حماس، لضعف أداء السلطة الرسمية، وافتقادها الثقة الشعبية.
4/ ظهور الفارق الأخلاقي بالاستعراضات العسكرية في مناسبات تسليم المختطفين، أحرج سلطة المحتل، بانزعاجها منه.
5/ تأكد الغرب برأسه الأمريكي أن المشروع التوسعي الكبير للمحتل لن ينجح بوجود الفلسطينيين على أرض غزة، فطرحت مبادرة ترامب للتهجير مسحا للمشكل نهائيا.
6/ الانبهار العالمي من التحكم الأمني في غزة.
كل هذه النتائج فرضها سريان الحدث، ولم تُستهدف قبلُ، واستشرافها يتطلب ذكاء خارقا يقدر عواقبها لتنقيح مناطاتها، وإقصاء أكبرها ضررا، بارتكاب أقله، لدرء المفاسد قبل جلب المنافع، كثمن حتمي، ووضعها بين كفتي الميزان معيارا لدى المختصين يرجح بعضها على بعض للحكم على صواب أوخطأ، نصر أوهزيمة الطوفان.
Tags:
مجتمع
