أثخن فرعون الوصاية بربوبية ادعاها، وأتى قومه من الدين، لعلمه بأثره أكثر من غيره، (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي)38/القصص.
حجرت الكنيسة على الدين فثارت أوربا وتحررت من وصايتها، وسلطتها وفرضت لائكية عاقّة للدين، حجرت عليه ليبقى سجين أديرة مؤثرة روحيا داخل الكنائس المحاصرة.
ذلك العهد معذور مسيحيا لا إسلاميا، لكنه استغفل يوميات المسلمين حكومات ومؤسسات ونخبا، بوصاية على الدين، والتدين، لتحييده، لها مظاهر اخترقت الضمير الجمعي فأصبحت عنوانا للشعور:
1/ بالعلية الذاتية والعلمية ونقص أوانعدام كفاءة الغير.
2/ باعتبار الوصي نفسَه من الخواصّ وغيرَه من العوام.
أفراد بمجرد أزياء معينة نعتوا غيرهم بالعامّة، محاكاة لصوفيات بالية.
3/ بأن الوصي الواهم هو الدين، والأوحد لحمايته والذود عنه، والممثل الشرعي له، وكأنْ لا ربَّ أدان به، يتجلى بعضه في خطباء من فرق مختلفة، كلٌّ يتحدث بنبرة الحق المطلق، دون دليل مشرق، ولغيره الباطل المطلق.
4/ بواجب استجابة البشر والواقع والفكر له، بلا صبر على تدرج الوقت وتخمر الفكر، وعدم تفويض النتائج لله، لأن الوصاية توعز بإرادة التأثير للكسب الشخصي لا الدعوي.
5/ بلمعان قولبة شخصية الدين والتدين، وتضييق الواسع.
6/ بقصور الدين، توهما بسفهه، ليُحْجَرَ عليه بوصاية.
من يومياتها:
1/ صناعة مظاهر هيلمانية مسيطرة محتضنة قسرا.
2/ التَّمَحُّل الفكري.
3/ مصارعة الدليل.
4/ التشدق الفقهي.
5/ التعصب المذهبي.
6/ تقييد حرية العقول.
7/ المشاحنات والمشاحَّات غير المبررة.
لذلك يكرس البعض كالمملكة السعودية وإيران على الرعايا الاِتّباعَ بالاحتكار، للوصول إلى الامتيازات الفردية، والشهرة الشخصية، والتشريفات الرسمية والنخوة العشائرية والأبهة الأسرية.
بعض الهيئات المغشوشة من الفرق والطرق المختلفة والمتباينة تستصغر الناس، تأبى تمثيلهم الدينَ والتدينَ بشدة، رغم إتاحتهما للبشرية كلها، (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا)سبأ/28، لا تفرط في الموروث الوصائي، لأنه سيعري وهمها إذا التف العاقلون حول غيرها بِعَرْضٍ إسلاميّ أفضلَ إقناعًا وإخلاصًا وصدقًا وأخلاقًا وخدمةً.
الوصاية على الدين هاوية الانحطاط العلمي والثقافي والاستدلالي.
حدث هذا قديما بوصاية عقدية من فرق مختلفة، لم تقبل وصف الله تعالى في كتابه كما ذكر دون مزايدة، وتجاوزت إلى تحريف الصفات بما تراه منزها للإسلام والذات العلية، إن كان لها عذر مقصود، وتجاهلت يقظة العقول التي حتما ستعود إلى القرآن في الفهم.
إن مُمْتَهِن الوصاية على الدين والتدين لا يؤدي مهمة التمكين لهما والدعوة إليهما وبيان منافعهما الكثيرة، وتركَ الألباب تفكر وتتدبر بناء على (لا إكراه في الدين)، لكنه يمارس الهجران، والكراهية والتحريض إن كان فردا، ويُخرِجُ من الملة إن كان سندا دينيا للأنظمة، وإن كان حكومات حرضت أذرعها الدينية لاستلال المبرر الروحي للاستبداد بالأحرار.
يهمه ما يجني، وإذا انتهكت المحارم لا ينهى باليد أواللسان أوالقلب، بحجة الطاعة، أوحرمة النصح العلني، مع الإحجام عن النصح السري.
إن الدين يؤخذ غضًّا طَرِيًّا من القرآن والسنة الصحيحة وسائر المصادر التبعية، فلابد من التمييز بين:
1/ خدمة الدين والتمكين له كنظام حياة، لا يُبْتَغَى به شيءٌ من عرض الدنيا، وإنما لتسعد البشرية ويزول الكفر والشرك والفساد من الأرض.
2/ والوصاية عليه، وقد يكون الفرد، أوالجماعة، أوالهيئة، على خطأ منهجي في التعامل به ومعه.
لذلك فإنه يحتاج منا:
1/ الصلاح به:
بإعادة صياغة طبيعته الصافية في النفس عقيدة وفكرا وسلوكا، عكس الوصاية عليه ظاهرا، والانفراد بالشيطان وحرماته باطنا.
2/ الإصلاح به:
بالدعوة إليه، والحكم به، في النفس والأسرة والمجتمع والدولة.
أما الناس فلهم عقول تفكر وتميز وتُقَلّبُ وتقارن، فدعوتهم ونصحهم وإحالتهم على عقولهم لترقية إعمالها تكفي دون إقفال القيود على رقابها.
وللدين رب يحميه.
Tags:
إسلاميات
