أعيادنا بين مقاصدها وأعبائها

يتعهد الله المسلمين بمحطات ليجددوا أنفسهم وأحوالها العقدية والروحية والعلائقية معه، لو عدمت لرافقتهم القسوة إلى قبورهم بلا نفع حازُوه، ولا مفسدة درؤوها، (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ)الحديد/16.
إن المقصد الشرعي لعيديْنا في تقديري يتمثل في:
1/ تعظيم الشعائر، (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)الحج/32.
وهنا فرق بين:
أ) مُعَظِمِيها باختلاف درجاتهم، وورعهم، وتشوفهم لثواب الله، وترويض أنفسهم، وشعور قلوبهم.
ب) مُهَوِنيها، لجهل، أوفسوق، أوعصيان، أوضعف إيمان.
والأعمال تبرهن على كل فريق.
2/ التنويع الدوري بين الجد وشيء من اللهو والسرور المشروع، عن حنظلة الأسيدي أن النبي ﷺ قال (والذي نفسي بيده؛ إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة) ثلاث مرات، رواه مسلم.
3/ العرفان لله، وذِكْرُه بما يخص المناسبة، وقد فهم الصحابة ذلك وعملوا به في البيوت والزقاق والمساجد.
4/ شهود المنافع الربانية، بعد صوم شهر كامل، أوالاحتفاء بشعيرة الحج، (لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ)الحج/28
5/ مخالفة المشركين وأهل الكتاب، وتثبيت الشخصية الإسلامية، فقد كانوا ناسكين لغير الله، كتقديم قرابين للمعبودات الصماء، (لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ)الحج/67.
6/ تثبيت عمق التوجه نحو الله بالنية والعزم عليها كتذكرها والتلفظ بها قبيل الذبح، اللهم منك وإليك، (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)الأنعام/162.
7/ امتحان المؤمن في صبره، واختياره بين الله ونفسه، بتذكر ابتلاء ابراهيمَ ربُه في ولده اسماعيل، (إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ)الصافات/106.
8/ إعمال العقول بالتفكر في حقائق وحِكم الأعياد، ثم التدبر في مآلاتها وعواقبها، وتدبير الله لعباده في كونه.
9/ تكريس قيم المسلمين، كقيمة الانضباط الروحي والامتثال الالتزامي.
10/ اعتبار سنن الله بدوران زمانه، وتشابه الأيام والشهور والأعوام، وتعاور المناسبات بأسبابها.
قد تكون هذه بعض مقاصد أعيادنا، وقد تتفعّل حِكم أخرى يخفيها الحكيم الخبير، ولم ترقَ إليها عقولنا.
لكن إذا التفتنا إلى واقعنا، وتقييمنا لماضيها وحاضرها، وجدنا بلوغ مقاصدها مقارنة بأسلافنا بعيدا، أومتذبذبا، لعوائق تحول دونها، تفرضها عوامل، كتدهور العلاقة الروحية الإيمانية بالله، والعادات الدخيلة المتجددة تدريجيا بما يباعد بين المسلمين وطبيعة تدينهم، ومتطلباتها المبالغ فيها، والبدع المشبهة بالعبادة، (معصية الشبهة أخطر من معصية الشهوة)، لأن للأولى دليلاً، عكس الثانية.
شكَّل ذلك أعباء كثيرة حرمت عبادا كثرا من التمتع بلذة الشعائر، واغتنام ثوابها.
فحين نجد الاهتمام الفردي والأسري والاجتماعي وحتى الحكومي مُنْصَبًّا على الجانب المادي للعيد، كفرصة تجارية فقط، التغالي في أسعار متعلقات العيديْن، الازدحام المكتظ في الشوارع لتحصيل متطلبات ما بعد المناسبة بسبب توقف الحياة لأسبوع تقريبا، اختناق حركة سير المركبات، لاهتمام كل سائق ببلوغ مقصده بسرعة، قبل أن يدركه مغرب اليوم الأخير من رمضان، أويوم عرفة، نعلم أن الاهتمام ليس بها، وإنما بضمان الحياة بعدها، السهر الإجباري ليلة ويوم الذبح، بما يقلب الحياة الروحية إلى مادية مؤرقة.
هذه أيام ذكر، وتهليل، ودعاء، وتذكر، وتفكر، وتدبر، كل ذلك تذروه رياح الأعباء الدخيلة، فلا أثر لصيام آخر أيام رمضان، أويوم عرفة، رغم خصوصيته بما أسلفت.
هزّلَ ضعفُ التعليم والتربية الشُّحنةَ الإيمانيةَ، وصرفَ الإعلامُ المُحْتَجَزُ المُوَجَّهُ الأعيادَ عن مقاصدها الحقيقية إلى مجرد عادة عابرة.
على المسلمين وخاصة الحكومات التخطيط لتحويل استقبال العيدين، وأثناءهما، وبعدهما توسعة، وتزودا روحيا، لعل الله يرأف بنا ويرحمنا بأعياد حقيقية واقعا ومضمونا، مصدرا للفرح، لا للضنك والعبء.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم