التاريخ كالحاسوب، له ذاكرة مؤقتة، تحمل الأحداث الجزئية التفصيلية غير المهمة، ثم تمحوها بمرور الأوقات، وأخرى صلبة لا تمحوها متتاليات الزمان، خالدة في المنظور والمسطور والمذكور والمحفوظ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، هي وقصة آدم سيان في أرشيف ملفات الدهر، لم يحفظ لنا التاريخ إلا المحاور الكبرى والقيم الأصيلة في حياته، والعبر من معصية الله إثر إغواء إبليس، دون تفاصيل ما تداوله آدم عليه السلام وزوجه وأولاده.
وكذلك تاريخ الأفراد والأسر والمجتمعات والأمم، يحفر في الأذهان الأحداث الكبرى بصدماتها ومفاجآتها، بوفاءاتها وخياناتها، بمواقف خذلاناتها ومسانداتها، فيُكَرّم التاريخ، أويلعن.
وكما تسدي تكريماته الأوسمة، فلعانته تسم المشاعر السيئة، والسرائر الكاذبة، والطوايا الخبيثة، فتحرض عليها الطرد الإنساني.
والحليم من يكتب تاريخه في حاضره، وينقشه لغده وبعد غيابه، لينعم بالممدحة، والشرف، أوالبراءة على الأقل، ويتقي العار والمذمة.
تعجبني مواقف بعض القبائل والبطون العربية في الجاهلية التي رسّخوا بها صورهم في أخلادنا، رغم القرون السالفة، كانت العشيرة والقبيلة منهم إذا طولب منها ما يُحَجّمُها في الأعين، ويقبحها في مجالس الخيم تقول (وماذا تقول عنا العرب)، ولهذا قالوها بسليقة وهم يمنعون المسلمين من دخول مكة للعمرة، اقتُرح على أبي جهل اقتحام بيت النبي ﷺ عشية الهجرة، فقال: "وتريدون أن تقول العرب أني هتكت ستر بنات محمد"
ولذلك لا يزال التاريخ يلعن محاصري بني هاشم في شِعب مكة، ويسدي العرفان لمدبري مقاطعة الصحيفة.
التاريخ ولعناته لا تمحى من الذاكرة الجمعية الإنسانية.
طوفان الأقصى جسّد نظرة التاريخ إلى المواقف بكسره جدار الخوف من الجيش الذي لا يقهر، واختراق الإعلام العالمي، فلم يعد جهاد الشعب الفلسطيني لاسترداد أرضه وحماية عرضه مجهولا مُعَتَّمًا، وتسلل في أعماق الدهاليس الحكومية والمؤتمرات الدولية، واحتوته الضمائر الحية الرافعة شأن الموافقين، والواخزة نذالة المُسَلّمِين.
سيلعن تاريخ طوفان الأقصى:
1/ متطاولين على السابع أكتوبر.
2/ حزازات من أراد أن يستشار ويطاع.
3/ طاعني حماة شرف الأمة، ناعتيهم بالإرهاب والإجرام وهم يرفعون عنهم رداء الذل، لأنهم علائق الخنا والخلاعة مع العدو.
4/ مانعي اللهج بحماس وقسامها، الجهاد وسراياها، على الألسن في بقاع مختلفة، بينما تحتج شعوب غربية رافعة راياتهما دون خجل ولا وجل.
5/ مستخدمي الطوفان في صراع فارسي غربي خارج عن صلب تحرير الأقصى.
6/ معيقي كل بوادر الفرج، وخانقي بطون وأبدان المحاصَرين عن إدخال الأطعمة والأدوية، وإخوانهم يموتون جوعا وعطشا ومرضا والبيوت تقصف والمستشفيات تهدم.
7/ مطعمي العدو، وإخوانُهم تتضوَّر بطونهم جوعا، وتجف ألسنتهم وحلوقهم ضمأ.
8/ قساة القلوب، لا يشعرون بآهات غيرهم، ولا تأوهاتهم، يتبسطون في البذخ، تغرق أشداقهم في الشواء فوق كل الأطباق، أمام الملأ دون ستر، وعروقُ إخوانهم في حاجة إلى المصل.
9/ مبذري التريليونات المالية، وإمدادات الخيرين للفلسطينيين تُصَدّ وتبتز وتساوم وتقضم.
10/ متفاخرين بالعروبة ونخوتها، وصهوات خيولها الأصيلة الكرارة وهم على أشرف دين، وسقطوا عند امتحانات التمكين لها وغلبتها، بينما استطاع خمسة من مشركي قريش القول: "يا أهل مكة أنأكل الطعام، ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى، لا يباع ولا يبتاع منهم؟"
11/ متزلفين لحكام غربيين يمدون العدو بأعتى الأسلحة، وخرصت ألسنتهم عن اشتراط توقيف الحرب، أوالتوسل لديهم بذلك.
12/ مانعي قافلة الصمود من إيصال الغذاء والدواء للغزيين.
سيقول التاريخ لمن زعم إسنادا "اخرص، فمثلك كمن قال الله فيهم، (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُومِنِينَ)النساء/142.
لعنات التاريخ سيسخرها الله لتمحيص الغيورين على الأمة من غيرهم، فتصفو الصفوف، لتمضي ببركة الله ورضوانه ليس داخلها دخن.
Tags:
مجتمع