لا تكفير في الظنيات

دلالة مصادر التشريع قطعية وظنية، في مرونة لبسط فهمها، واستنباط كنوزها الباطنة، وتيسير الاجتهاد، واستيعاب الاحتمالات، يشمل تفاصيل المسائل الغيبية العقدية، ومعلوم أن أركان الإيمان ستة فقط، ومن زاد خرج من الملة، كإدراج الشيعة ركنيْ الإمامة والولاية بعد الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقضاء والقدر.
لكن الإشكال يكمن في التمعض من البحث عن رمزيات النصوص من عدمها في فروع عقدية، لا يزال الوسع مبذولا لإدراكها عموما وخصوصا، إطلاقا وتقييدا، إجمالا وبيانا، غموضا وتفسيرا.ومنها مسائل صفات الله وأسمائه، تفرقة وجمعا، تأويلا وتمريرا، رؤيته في الجنة حقيقة أم نورا، وجوده في كل مكان بعلمه أم بذاته، إشارة (وكان الله غفورا رحيما) إلى الدوام أم التكرار،  بالقرينة اللغوية أم العرفية، رؤية النبي صلى الله عليه وسلم جبريل تمثلا أم حقيقة، رؤيته ربه في المعراج أم مجرد سماعه، اختراق الجن للإنسان من عدمه، لغات كتب الله السابقة، مرويات أهل الكتاب عن أسماء الرسل والأنبياء غير المذكورين في القرآن، روايات الآثار لمشاهد القيامة صحةً وضعفًا ووضعًا وفهمًا، عذاب القبر حقيقة وعدمًا، تخيير الإنسان وتسييره، مصير أهل الفترة، ومن لم تبلغه الدعوة كقاطني الغابات البعيدة، وموتى صبيان الكفار.
كل ما سبق ليس من أركان العقيدة الثابتة التي دعا الله تعالى إلى التسليم وعدم الكفر بها، فلا يحسن المسارعة إلى تكفير منكر جزئي منها ضمن منظومة الفكر الحر العلمي المجتهد بالنصوص، وإلا أخرجنا الأشاعرة من دائرة الإيمان بسبب تأويل بعض الصفات، وهم من جملة أهل السنة والجماعة كما قال غير واحد.
مواقفنا تجاه الباحث المقر بأركان الإيمان لا تبرر لنا احتضانه عند الموافقة، وتكفيره عند المخالفة.
إن المكفرين ليسوا على شيء إزاء مؤمن بالأصول شجاع في اقتحام مسألة بسيطة، بانضباط منهجي  علمي أثناء النظر.
لأن كلام الله تعالى كفَّر منكر الأركان والقطعيات الثابتة المتجذرة نقلا ودلالة، دون المفتش في الظنيات، قبولا أوردًا، وفهمًا واجتهادًا.
ما يزعج السامعين، والقارئين، تلك الحملات العاطفية ضد التحقيق في دقائق عقدية غيبية لم يعاتب عليه الشرع.
الحرية في الإسلام مكفولة حتى في البحث عن أدلة وجود الله تعالى عند غير المسلم، فلا يقهر  المسلم من باب أولى بسبب حرية الاستكشاف، والغوص في أغوار القرآن والسنة، للعثور على صدفات علمية، أوخبرية عن كنوزهما الخازنة للمسائل العقدية المتشعبة.
إن النزال في العلم لا يكون بالتضييق على التعبير عن نتيجة الاستنباط، إنما بالدليل الموازي، سندا، ومتنا، واستدلالا، وتوجيها، وتفسيرا، وتأويلا، وتوفيقا، بنسخ، أوجمع، أوطرد بالتضعيف الصحيح، وأخاله يعسر على المخالفين بمجرد العاطفة.
قد يجِلُّ في نفس غير الواصل، أوالمتورع، تجشم هذه المسائل لعظمتها، وقيمتها، وجلالها، ولو قطع بتنزهه، فلا يُحرج في تقديري بالخوض في أعماقها، لحاجة علم، أوفهم، أوشجاعة.
لكن لا يُعترض من ناحية أخرى على مؤهل مستزيد مستفيد، مبينٍ عظمة الإسلام في تشريعه، ولغته، وبلاغته، ومنطقه، ومرونته، وفضائل نصوصه وتشريعاته علينا.
وإنما علينا إحاطة العملية بضوابط وقواعد لئلا تفلت من عرى الإسلام، فتهدم أركان الإيمان.
كما يحسن أن نجعل من البحوث العلمية في الإطار العقدي التفصيلي أساليب ووسائل لهداية العقول إلى دين الله تعالى، وتميزه عن غيره في ضمان المرونة.
إن علينا ابتلاء مداركنا قبل الإنكار على الغير، والإفساح لخواطرنا لاستيعابهم واجتهاداتهم وفهومهم واستنباطاتهم، فلعلنا نحوم حولهم يوما.

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم