الرقية بين التخدير والتشهير.

لا يخفى على كل ذي علم وتجربة مصداقية الرقية الشرعية المنضبطة بأحكام النصوص، ومن الإنصاف الاعتراف بمفعولها الصحيح في هذا الإطار.    
وتحدث وعكات مرضية كثيرة لا يفتح بينها وبين المصاب إلا الامتثال بين يدي القرآن الكريم، لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ)57 سورة يونس. لذلك يبقى التأييد حليف الراقي التقي بإرشاد الناس إلى الاستشفاء قبلها.

لكن لجهل العوام وفعاليتها في الأعراض الروحية والعقلية، أصابتهم الوساوس من كل علة ولو كانت بدنية، فأعرض أكثرهم عن التداوي وهرولوا إليها، حتى عند الشك في سلوك، أوعائق، أوضغط نفسي، أومضايقة معنوية، أوقلق، أوعطالة، ولو بقارورة ماء يسلمها إلى أي تالٍ للقرآن، ولو بتكسير وتحريف، ودون حضور، ولا خشوع، ولا تدبر، دفعا لما يجد ويحاذر، وقد سمعتُ أحدهم يرقي، بتلعثم خطير. فأصاب الناسَ مخدِّر هاجسها، ولو من ألم الأمعاء معنويا، ووقعوا ضحايا مبتزي الأموال والأعراض وحتى الأبدان التي تضرب بداعي إخراج الجن. ثم استغل العلمانيون والفسقة والفجَّار ومحاربو الدين وكفَّارُه هذه المطبات للتشهير سبا وشتما واتهاما بكل سوء، وتعداه إلى التنقص من الدين. ودعوة أحدهم في قناة تلفزية إلى التوجه نحو قبر الهالك اللعين كارل ماركس، ووضع باقة ورد فوقه، والدعاء له بالمغفرة اعتذارا من صدِّ مقولته الخبيثة (الدين أفيون الشعوب)، دليل على مهلكة روحية عقدية فكرية مذهبية له ولغيره، رغم علمه اليقيني أن الهالك قصد التدين الكنسي المسيحي، لأن الحرب المعلنة تلك الحقبة كانت ضده لا ضد الإسلام، لكن قاصرا مثله ضمَّ إليها الإسلام. إنَّ الرقاة يحملون وزر استجلاب التهجم على الإسلام بهذه الطريقة الإجرامية الفكرية، لأنَّ المتجاوزين حدود الشرع  بتمتمات شوهوه، والساكتون منهم ساهموا معهم. وانتفاض الأطباء الجاهلين بالشرع ضدَّ الرقية، واعتبارها أمرا نفسيا فقط دليل على انتقال عدوى العداء إلى ما يتصل بالدين والتدين. كثير من الأطباء يسمعون عن شفاء بعلاج عشبي مخبري، فيردونه بهزء إلى العامل النفسي فقط، لأنهم فريسة تجاوزات مشعوذين.
ولأنهم فتحوا مجالا واسعا لكل حاقد، أوجاهل، أومعادٍ، للتشهير بالإسلام والطعن فيه، والسخرية منه ومن القرآن. وبما أنَّ غالب منتحليها من أهل السنة، فقد قذفهم شيعي وبدون ورع، مع وصفهم بالطغاة الجناة الزناة، أثناء حصة حول مبادرة المدعو الشنفرة السفر إلى الكامرون لرقية المنتخب الوطني. ولأنهم يساهمون في تنويم الشعوب والمصادقة على زلة الهالك زعيم الشيوعية العالمية تجاه الدين. للرقية مجالها، وقد حضرتُ جلسة رقية أخرج فيها الراقي التقيُّ جِنِيَّةً من عقل امرأة، ولو لم أتابع القضية منذ الإصابة إلى الشفاء لما صدقتُه. لكن هذا الأمر المعترف به لا يلغي العلاج البيولوجي، بل يأتي بعده، كي لا يُتْرَكَ ويلجأ إليه في وباء كالكوفيد على سبيل المثال، أوفي مجرد لعبة كرة قدم. نعم يوجد سحر في إفريقيا، لكن لا يبرر ترك التصحيح الرياضي على العموم. لقد صحَّ في النقل رقية نفر من الصحابة سيدَ حيٍّ من العرب بقراءة الفاتحة1، ومقابل مادي، لكن لا يجوز الاستدلال به على ابتزاز المصابين المهلوسين، ولا على انتقام الجهلة المتقاعسين عن نجدة الإنسانية، والتشهير ضدها من المستكبرين  على التشريع. وتلقى اللائمة على كل وسائل الإعلام التي لا تنصف القضايا في الحصص، فتدعو من يوافقها، فيتخبط المشاهدون والمستمعون في ضلال فكري خاصة الجهلة بالتشريع. النداء موجه إلى كلِّ الرقاة لوضع حدِّ فتحِ جبهات عدائية تجاه الدين والتدين والقرآن الذي يشفي به الله في وقته وحدوده وضوابطه الثابتة الصحيحة. قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا. سورة الإسراء. ومصوب نحو الواعين من المفكرين وأهل العلم والمثقفين، إلى ترشيد الفكر والوعي، بحملة واسعة للتوسط والاعتدال، للحد من انتهاز فرص استهداف الدين بسهام الحاقدين، الذين توجه إليهم النصيحة للتحلي بالتمييز بين الملتزم  والمتجاوز، وبالإنصاف مع مختلف القضايا، وكف الألسنة عن القدح الممنهج دون دراية ولا روية، فلا يدرون لعلهم يسترقون يوما.

ملحق: 1/ عن أبي سعيدٍ قال: انطلق نفرٌ من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم في سفرةٍ سافروها، حتى نزلوا على حيٍّ من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبَوا أن يُضيفوهم، فلُدغ سيِّدُ ذلك الحي، فسعَوا له بكل شيءٍ لا ينفعُه شيءٌ، فقال بعضُهم: لو أتيتُم هؤلاء الرَّهط الذين نزلوا؛ لعلَّه أن يكون عند بعضهم شيءٌ، فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهطُ، إن سيِّدنا لُدغ، وسعَيْنا له بكلِّ شيءٍ لا ينفعُه، فهل عند أحدٍ منكم من شيءٍ؟ فقال بعضُهم: نعم، والله إنِّي لأرقي، ولكنْ والله لقد استضفناكم فلم تُضيفونا، فما أنا براقٍ لكم حتى تَجعلوا لنا جُعلًا، فصالَحوهم على قطيعٍ من الغنم، فانطلق يتفلُ عليه، ويقرأُ:(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، فكأنما نُشط من عقالٍ، فانطلق يَمشي وما به قَلَبَةٌ، قال: فأَوفَوهم جُعْلَهم الذي صالَحوهم عليه، فقال بعضُهم: اقسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبيَّ صلى الله عليه وسلم فنذكر له الذي كان، فننظُر ما يأمُرُنا. فقدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له، فقال: ((وما يُدريك أنَّها رُقيَةٌ؟))، ثُم قال: ((قد أصبتُم، اقسموا، واضربوا لي معكم سهمًا))، فضحك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. رواه البخاري ومسلم وأحمد وابن أبي شيبة والترمذي وابن ماجة والدارقطني والحاكم وغيرهم بأسانيد وألفاظ مختلفة.

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم