أصبح التحدث عن الوعي كردود أفعال وأفكار تجاه كل مخالف، أومتخلف، أوموافق، وكأن الحاكم فيه موجود على السكة المقابلة للخط الفكري والشعوري والسلوكي للمحكوم عليه، مع رفع ظن الصواب له.
إن لفظته دليل على التناغم مع القضايا الكبرى القائدة للمجتمعات والأمم بشكل صحيح، لكنها تبتذل وتستخدم في الخطوط الموصلة، وغير الموصلة، يلهج بها القويم والدميم، السليم والسقيم.
لكن إذا انطلقنا من المعنى اللغوي للفظة وجدناه مشتقا من الانتباه، يقال وعى من نومه انتبه، ومنه الحفظ والتقدير، والفهم وسلامة الإدراك، وفي علم النفس: شعورُ الكائنِ الحي بما في نفسه وما يحيط به، والوعي الحلمي شعور النَّفس بذاتها وقت الأحلام، ومنه الوعاء لأنه يجمع ما فيه، فهو مملوء.
وبذلك يمكن اعتباره تلك الظاهرة المعبرة عن امتلاء العقل بقناعة كل نفع فكري، معترض كلَّ فساد، بحيث توزن كل ذهيات وتعبيرات الفرد والجماعة البشرية بمعياره.
مع اشتراطنا النفع المتفق عليه، وما دار حول حماية الموروث الديني والعقدي للأمة، وما فطن به اللبيب إلى ما يرفع شأنها، ويحاك ضدها.
لا ما يُدَّعَى على المستوى الفردي أوالعشائري أوالقبلي الضيق.
ونتيجة لما سبق لا يمكن إضفاء طابعه على ظاهرة التقليد الأعمى وانصراف العقل عن التمحيص والغربلة والنقد والتحرر العلمي.
ولا المزايدة على الغير بتفسير وتأويل خاص.
ولا منح شهادته دون علم واسع، موافق للقيم والمبادئ، وأساليب ووسائل تحقيقها.
تعجبتُ يوما من شيخ كبير، كان يشجع مجموعة شباب على الانخراط في أحد الأحزاب، ويمدحهم بالوعي، وهم مبتهجون لإطرائه الموهوم، وبينه وبين السياسة، وحنكتها بون شاسع.
وأحتقر من يعارض الإصلاح ودعواته، ويتهم المصلحين بفقده.
كما يهزل في عيني من يغتر بمضفيه عليه لمجرد مدح، وهو عنه في منأى بعيد.
فليس الوعي كل ما وافق النزوات الفردية أوالعشائرية، أوالقبلية، أوالأسرية.
ولا اتباع الغير وموافقتهم، كالمناسبات على سبيل المثال، لأنه شطط في الحكم والتصور.
ولا التقليد الحتمي.
ولا ما يُدَّعَى نتيجةَ فرض الأمر الواقع من عادات وقوانين وأعراف لا أفق لها، وإبعاد رافضها عنه.
ولا مركبا يمتطيه كل من أراد تمرير مذهب.
ولا حبلا يتجاذبه المتنازعون.
ولا مجدافا وشراعا يحمي اليخت التائه.
ولا قذيفة تقتنص بها الأهداف المعنوية والنفسية البشرية بسوء طوية.
ولم يكن أبدا دليلا على الخرافة والشعوذة، ولم تكن يوما أمارة عليه.
ولا يصادق عليه الجهلة والخرافيون، إنه موكول لأهل العلم والفكر الناصع المتفتح على المجتمعات والحضارات والعلوم.
أغتمُّ ممن يسن قانونا، أوعرفا بعيدا عن المقاس المنطقي، غيرَ موافق للتوجه العقدي للأمة، أومن يسمع به، ويؤازره، ويدعو الناس إليه، ويعتبر الإذعان له من صلب الوعي.
وأستاء ممن ينفجر في وجه منكر الخرافة نازعا عنه صفة الوعي، ومحتكرا له وحده، لأنه أصبح مطرقة ذهنية يضرب بها العارف بحقيقته وموقعه الصحيح.
وهذا دليل على تلاشي بريقه الدقيق الوضاء، وتحوله إلى عصا يلوح بها من أراد فرض الشاذ.
إننا في أمس الحاجة إلى تعلم أساسيات المبادئ والقيم لبناء منهج حياة سليم، يتخذه قاعدة ندرك به حقيقة الوعي والاتصاف به، دون مزايدات فاقدة لترتيب منهجي، ترفع قوما وتضع آخرين بالهوى والتشهي.
Tags:
فكر