وبعيدا عن المعنى اللغوي والتعريف الاصطلاحي والشرح التفصيلي للحديث، أجد لفظة (حُسْن)
دالة على السلامة النفسية قبل الاجتماعية، نتيجة (تركه ما لا يعنيه)، لأن تحسس ما لا
يعني وباء وجدانيٌّ داخلي يعتصر دون وخز بدني، وقد يؤول إليه، ومن بلاغة الحديث تضمُّنُ
القبحِ بعبارة (ما لا يعنيه) بدليل التقابل بــ (حُسن) والتأكيد بــ (تركه)،، رغم
لذَّته الآنية، فإن كثيرا من المفاسد
الراجحة تحوي منافع مرجوحة.
مع ملاحظة لفظة (حسن) التي تعني الإتمام والإتقان والإحكام، وفي الاصطلاح عبادة
الله كأنك تراه، فلا يبلغ تمام العلاقة بالله إلا من ترك ما لا يعنيه.
وقال العامة قديما (اللي ما هو ليك غير يعيِّيك)، وباللغة العربية (ما ليس لك
يتعبك).
ينبه هذا القول الشعبي، إلى كل ما يشتطُّ له الفرد وهو لا يملك منه شيئا، فيسوق
إليه الغُمَّةَ أكثر من المتعة.
وإذا تمعنا قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ
أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ...)
في جزء من الآية 101 لسورة المائدة، وجدناه وقاية من داء يعلق بمتطلعين تَعَوَّدوا
عليه، مع دلالته على أحكام أخرى.
لأن التشوف نحو مُلكِ الغير،، قلة حياء،، واهتزاز يقين في الرزق، وتجاهل لقوله
تعالى [وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ
فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ
سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ(71)] سورة النحل، ومنع صفة الشهامة،
وزللٌ إلى دركات الخساسة، وتلطيخ الإنسانية برائحة القمامة، وغفلةٌ عن معالي
الحمد، وبرهان الشكر.
إن ما كان لك لم يكن لغيرك، وما كان لغيرك لم يكن لك.
إرادة التمتع بنصيب الغير دونه نَصَبٌ لأنه ابتغاء سراب الضمآن.
وتتبع الوهم منهك مضلُّ السبيل.
وإرادة الأحلام بدون تدرجاتها خسارة لها.
المرور على بيتٍ له كُوَّةٌ تكشف عمقه لا يبيح تحديق البصر من غير ورع.
استباق المعلومة برذيلة، قبل أوانها، تأبط شرٍ مضمرٍ، ينهال على النفس بالحسرة على
ضعف الامتلاك مثل أهله.
علم المرأة بما في بيتِ ونحرِ ومعصميْ وأصابعِ قرينتها مغضبةٌ، فتخاصمٌ، ففراقٌ، فتخالعٌ،
أوتُطَليقٌ.
الجلوس مقابل ما يعيى عن اقتنائه من متع بيت المستضيف أذيَّة، وانكسار جنان.
الجور في نصرة ما لا قدرة على تسييره، ولا تدريبه، ولا التخطيط له، مرعشةٌ للقلب، ووكزة
بالنوبات والسكتات والدمويات والسكريات، فمعاداةٌ.
تحسس الغير فيما يملكون، وما يسلكون، وما ينفقون، مهلكة، ومعطبة، وعِلَّةٌ، ونهشة
لحمية.
السعادة في الاشتغال بما في الملك، والتعاسة في إشرافٍ يجلب الغمَّ.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِنَّ نَاسًا مِنْ
الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ
حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ : ( مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ
أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ
يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ
عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ). رواه البخاري ومسلم.
Tags:
أخلاقيات