المصلحة المرسلة بين الفهم والتطبيق

المصلحة المرسلة مصدر تشريعي إسلامي،، العمل به إجماع واقعي لاستنباط الأحكام، رغم الاختلاف في اعتمادها أدبيا منذ القدم، ولا أبالغ بالقول إنها أكثر المصادر إمدادا للأحكام، لترجيحها بين المنافع والمفاسد.
لكني رأيتُ حسب مطالعاتي لكثير من مظان أصول الفقه بعض الخلل في تناولها، وتدريسها،، في التعريف، والبيان، والحجية، حتى لأظن خروج التلاميذ والطلبة (إلا القليل) بنقص فهم لمقصدها، وعمقها، وعملها، وآثارها، وإن ادُّعِيَ، امْتُحن أثناء التطبيق.وبالاعتماد على المعنى اللغوي وهو المنفعة المطلقة، تُعَرَّفُ اصطلاحا بأنها (المنفعة التي لم يشهد لها دليل بالاعتبار ولا بالإلغاء)، فأي شيء يشهد لها؟ الإجابة فيما يلي.
أما البيان فإن المقصد التشريعي العام هو (رعاية مصالح العباد في العاجل والآجل بجلب المنافع ودرء المفاسد)، وهو مكفول بالنصوص والقياس، لكن قد لا يكون للمسألة وصف موجود في المنصوص عليه، فيستحيل القياس، ولأن السلوك البشري محكوم عليه بالتشريع،، حذرا من تضييع مصالح العباد بإبعادهم عن الصواب، أوتقريبهم من الخطأ،، هدى الله تعالى علماءنا إلى مصدر آخر، سمي المصلحة المرسلة.
أما الحجية، فلا أرى صحة استنباطها من أدلة اليسر في القرآن، ولا من تقرير قاعدة رعاية مصالح العباد.
إن القياس لاستنباط أحكام المسائل المستجدة، أما المصالح المرسلة فلاستنباط أحكام أعتبرها من الاحتياجات غالبا، لحل إشكالِ مَا لا يفي بالغرض، كالاحتياج إلى وسيلة إيصال صوت المؤذن بعد انتشار الساكنين.
إن القرآن وضع لنا قواعد عمل تندرج تحتها فروع كثيرة، تحضيرا لحالة انعدام النص الصريح، والقياس الصحيح، وعلَّمَنَا كيفية الاستنباط آنئذٍ.
لننظر إلى قوله تعالى في سورة النحل الآية 67 (وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ).
وإلى قوله تعالى في سورة البقرة جزء الآية 219 (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ
قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا).
السكر مفسدة راجحة هي ذهاب العقل،، وانهيار المعنى الإنساني،، يراد به منفعة مرجوحة هي النشوة والطرب الوهميين المؤقتين، والاتجار به منفعة مرجوحة داخل مفسدة راجحة.
وفي البقرة قارَنَ بين المنفعة والمفسدة، وأظْهَرَ الترجيح.
هذا تنبيه أهلِ العلم للتمييز بين منافع ومفاسد أيِّ سلوك بشري عند الافتقار إلى النص والقياس، خارج الخمر والميسر.
وعلى سبيل التمثيل: الجهاد فيه مفاسد كإزهاق الأرواح وإذهاب الأموال، لكنها مرجوحة مع منفعته الراجحة بإعلاء كلمة الله، وهيبة الأمة، ورفع شأن الدين والعقيدة، وتحرير الأوطان، وتعزيز أمنها، لذلك ندبت إليه النصوص، ولنقس على ذلك الحج، والقصاص، والسرقة، والحدود، وغيرها مما تكفلت به النصوص في إطار الاقرار بالمنفعة والمفسدة، لكن بالترجيح بينهما ثم بناء الأحكام عليه، ومنه نتعلم التشريع فيما لا نص ولا علة له، ولا أخال القوانين الحالية للدول إلا مندرجة تحت هذا الإطار، بشروط ليس هذا مقامها.
ومنه فإن كل سلوك بشري تعتريه المنفعة والمفسدة، خارج إطار العصمة، والحَكَمُ عندهما لتقدير أهل العلم.
وإذا بسَّطنا القول فيها، فلا يعني تناولَها بغير ضوابط، بل علماؤنا ذكروا لها عدة شروط، منها:
غلبة الظن على إفضائها إلى المنافع الراجحة أخذا، أوالمفاسد الراجحة منعا.
موافقتها لمقاصد الشريعة.
عمومها لا خصوصها.
أن يكون الترجيح مبنيا على نظرات شرعية أصولية مقاصدية تنقدح في أذهان المجتهدين.
التحقق من المنفعة والمفسدة بالظن الغالب.
ولقد رأيتُ على رأس المراعين له شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وابن حزم رحمهم الله، فمعظم مناقشاتهم واستدلالاتهم فيما لا نص، ولا قياس، يذكرون له عدة أوجه لبيان قوة المنافع فيما يبيحون، أوقوة المفاسد فيما يمنعون.
هكذا ينبغي في رأيي بيان هذا المصدر التشريعي الكبير، ضمانا لفهمه الصحيح، وتطبيقه الميداني الموافق.

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم